سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١٠ - الباب الرابع عشر في غزوة حمراء الأسد
و بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من أسلم طليعة من آثار القوم: سليطا، و نعمان ابني سفيان بن طلق بن عوف بن دارم من بني سهم، و معهما ثالث من بني عوير- بطن من أسلم- لم يسمّ لنا، فلحق اثنان منهم القوم، بحمراء الأسد، و للقوم زجل و هم يأتمرون بالرجوع، و صفوان بن أميّة ينهاهم عن ذلك، فبصروا بالرجلين فعطفوا عليهما فقتلوهما و مضوا.
و مضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بأصحابه، حتى عسكر بحمراء الأسد، فدفن الرجلين في قبر واحد، و هما القرينان.
و ذكر ابن إسحاق، و محمد بن عمر، و اللفظ له: أنّ عبد الله بن سهل و رافع بن سهل من بني عبد الأشهل رجعا من أحد، و بهما جراح كثيرة، و عبد الله أثقلهما من الجراح، فلما سمعا بخروج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أمره به، قال أحدهما لصاحبه، و اللّه إنّ تركنا غزوة مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لغبن، و اللّه ما عندنا دابة نركبها، و ما ندري كيف نصنع؟ قال عبد الله: انطلق بنا، قال رافع: لا، و اللّه ما بي مشي، قال أخوه: انطلق بنا نتجارّ و نقصد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فخرجا يتزاحفان، فضعف رافع، فكان عبد الله يحمله على ظهره عقبة، و يمشي الآخر عقبة، و لا حركة به، حتى أتوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، عند العشاء، و هم يوقدون النيران،
فأتي بهما إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)- و على حرسه تلك الليلة عبّاد بن بشر- فقال: «ما حبسكما؟» فأخبراه بعلّتهما، فدعا لهما بخير و قال: «إن طالت بكما مدة كانت لكم مراكب من خيل و بغال و إبل، و ليس ذلك بخير لكم».
و يقال: إن هذين أنس و مؤنس ابنا فضالة الظّفريّين، و لا مانع من أن يكون ذلك حصل للأولين و الآخرين.
قال جابر بن عبد الله رضي اللّه عنهما: و كان عامّة زادنا التمر، و حمل سعد بن عبادة رضي اللّه عنه ثلاثين بعيرا حتى وافت حمراء الأسد، و ساق جزرا، فنحروا في يوم اثنين و في يوم ثلاثة.
و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يأمرهم في النهار بجمع الحطب فإذا أمسوا أمر أن توقد النّيران، فيوقد كلّ رجل نارا، فلقد أوقدوا خمسمائة نار حتى رئيت من مكان بعيد، و ذهب ذكر معسكر المسلمين و نيرانهم في كل وجه، و كان ذلك مما كبت اللّه به عدوّه، فأقام بحمراء الأسد الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء.
و لقي معبد بن أبي معبد الخزاعيّ و هو يومئذ مشرك.
و جزم عمرو بن الجوزيّ في التّلقيح بإسلامه، و كانت خزاعة- مسلمهم و كافرهم- عيبة نصح للنبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)، بتهامة، صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، فقال: يا محمد، و اللّه