سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢٠ - ذكر رجوع المشركين إلى مكة
و كانت عائشة و أمّ سليم رضي اللّه عنهما تسقيان النّاس، كما في الصحيح عن أنس قال: لقد رأيت عائشة بنت أبي بكر و أم سليم، و إنّهما لمشمّرتان أرى خدم سوقهما تنقزان القرب، و في لفظ تنقلان القرب على متونهما، تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتحلّانها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم.
و روى البخاريّ عن ثعلبة بن مالك رضي اللّه عنه أنّ عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه قسم مروطا بين نساء أهل المدينة، فبقي منها مرط جيّد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) التي عندك- يريد أمّ كلثوم بنت عليّ- فقال عمر: أمّ سليط أحقّ به، و أم سليط من نساء الأنصار ممّن بايع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، قال عمر: فإنّها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد. انتهى. و أمّ سليط هذه والدة أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه عنه.
ذكر تمثيل نساء المشركين: هند بنت عتبة و من معها بقتلى المسلمين
قال ابن إسحاق: حدّثني صالح بن كيسان قال: وقفت هند بنت عتبة و النسوة اللاتي معها يمثّلن بالقتلى من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، يجدعن الأذن و الأنف، حتى اتّخذت هند من آذان الرجال و أنافيهم خدما و قلائد.
ذكر رجوع المشركين إلى مكة
قال ابن إسحاق و محمد بن عمر و غيرهما: لمّا تحاجز الفريقان أراد أبو سفيان الانصراف، فأقبل على فرس حتى أشرف على المسلمين في عرض الجبل فنادى بأعلى صوته: أ في القوم محمد؟ ثلاثا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا تجيبوه»، فقال: أ في القوم ابن أبي قحافة؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا تجيبوه»، فقال: أ في القوم ابن الخطاب؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا تجيبوه»،
و لم يسأل عن هذه الثلاثة إلا لعلمه و علم قومه أنّ قيام الإسلام بهم، فقال أبو سفيان بعد أن رجع إلى أصحابه: إن هؤلاء قد قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه!
و في حديث ابن عباس و عند الإمام أحمد و الطّبرانيّ و الحاكم: أنّ عمر بن الخطاب قال: يا رسول اللّه، ألا أجيبه؟ قال: «بلى». قال في الفتح: كأنه نهى عن إجابته في الأول و أذن فيها في الثّالثة، فقال عمر: كذبت يا عدوّ اللّه، قد أبقى اللّه لك ما يخزيك، إنّ الذين عددت لأحياء كلّهم، فقال أبو سفيان: اعل هبل، و أظهر دينك. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لعمر بن الخطاب: «قم يا عمر فأجبه»، فقال: اللّه أعلى و أجلّ، فقال أبو سفيان: اعل هبل، و أظهر دينك، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، ألا إنّ الأيّام دول، و إن الحرب سجال، و في لفظ: سمال.
فيوم علينا و يوم لنا* * * و يوم نساء و يوم نسرّ