سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١٩ - ذكر إرساله (صلّى اللّه عليه و سلم) محمد بن مسلمة إليهم و اعترافهم برسالته
مقامنا هاهنا بشيء، لقد توجّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لأمر، فقاموا في طلبه، فقال حييّ بن أخطب:
لقد عجّل أبو القاسم، كنّا نريد أن نقضي حاجته و نقريه، و ندمت يهود على ما صنعوا. فقال لهم كنانة بن صويراء: «هل تدرون لم قام محمد؟» قالوا: لا و اللّه ما ندري، و ما تدري أنت! قال:
بلى و التوراة إنّي لأدري، قد أخبر محمد بما هممتم به من الغدر، فلا تخدعوا أنفسكم، و اللّه إنه لرسول اللّه، و ما قام إلا أنه أخبر بما هممتم به من الغدر، و إنه لآخر الأنبياء، و كنتم تطمعون أن يكون من بني هارون، فجعله اللّه حيث شاء. و إن كتبنا و الذي درسنا في التوراة التي لم تغيّر، و لم تبدّل: أنّ مولده بمكّة، و أن دار هجرته يثرب، و صفته بعينها ما تخالف حرفا مما في كتابنا، و ما يأتيكم به أولى في محاربته إيّاكم، و لكأني أنظر إليكم ظاعنين يتضاغى صبيانكم قد تركتم دوركم خلوفا و أموالكم، و إنما هي شرفكم، فأطيعوني في خصلتين، و الثالثة لا خير فيها». قالوا: ما هما؟ قال: «تسلمون و تدخلون مع محمد، فتأمنون على أموالكم و أولادكم، و تكونون من علية أصحابه، و تبقى بأيديكم أموالكم، و لا تخرجون من دياركم»، قالوا: لا نفارق التوراة و عهد موسى. قال: «فإنه مرسل إليكم: اخرجوا من بلدي فقولوا: نعم، فإنه لا يستحلّ لكم دما و لا مالا، و تبقى أموالكم لكم، إن شئتم بعتم، و إن شئتم أمسكتم»، قالوا: أمّا هذا فنعم. قال سلّام بن مشكم: «قد كنت لما صنعتم كارها، و هو مرسل إلينا أن اخرجوا من داري، فلا تعقّب يا حييّ كلامه، و أنعم له بالخروج، و اخرج من بلاده». قال: افعل، أنا أخرج.
فلما دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة تبعه أصحابه، فلقوا رجلا خارجا من المدينة، فسألوه: هل لقيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ فقال: نعم، لقيته بالجسر داخلا. فلما انتهى إليه أصحابه وجدوه قد أرسل إلى محمد بن مسلمة يدعوه، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، قمت و لم نشعر،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «همّت يهود بالغدر بي، فأخبرني اللّه تعالى فقمت».
قال ابن عتبة: و أنزل اللّه تعالى في ذلك قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَ اتَّقُوا اللَّهَ، وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة ١١].
و رواه عبد بن حميد عن عكرمة.
ذكر إرساله (صلّى اللّه عليه و سلم) محمد بن مسلمة إليهم و اعترافهم برسالته
لمّا جاء محمد بن مسلمة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «اذهب إلى يهود بني النضير فقل لهم:
إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلدي».
فلما جاءهم قال:
إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أرسلني إليكم برسالة، و لست أذكرها لكم حتى أعرّفكم بشيء تعرفونه في مجلسكم، فقالوا: ما هو؟ قال: أنشدكم بالتوراة، التي أنزل اللّه على موسى: هل تعلمون أني