سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٢ - ذكر وصول أبي سفيان إلى قرب المدينة و حذره من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
أو ينقصون، و لكن أمهلوني حتى أنظر: أ للقوم كمين أو مدد؟ فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا، فرجع إليهم فقال: ما رأيت شيئا، و لكن رأيت- يا معشر قريش- البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة و لا ملجأ إلا سيوفهم، أما ترونهم خرسا لا يتكلمون، يتلمّظون تلمّظ الأفاعي، و اللّه ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما في العيش خير بعد ذلك فروا رأيكم.
فبعثوا أبا سلمة الجشميّ فأطاف بالمسلمين على فرسه، ثم رجع فقال: و اللّه ما رأيت جلدا و لا عدادا و لا حلقة و لا كراعا، و لكن رأيت قوما لا يريدون أن يؤوبوا إلى أهليهم، قوما مستميتين ليست لهم منعة و لا ملجأ إلا سيوفهم، زرق العيون كأنّها الحصا تحت الحجف، فروا رأيكم.
فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة فكلّمه ليرجع بالناس، و قال: يا أبا الوليد، إنك كبير قريش و سيّدها و المطاع فيها، هل لك إلى أمر لا تزال تذكر فيه بخير إلى آخر الدهر؟ قال: و ما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالنّاس، و تحتمل أمر حليفك عمرو بن الحضرميّ. قال: قد فعلت، أنت عليّ بذلك، إنما هو حليفي، فعليّ عقله و ما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظليّة فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره، يعني أبا جهل بن هشام، ثم قام عتبة خطيبا في الناس فقال: يا معشر قريش إنكم و اللّه ما تصنعون بأن تلقوا محمدا و أصحابه شيئا، و اللّه لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النّظر إليه، قتل ابن عمّه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته، فارجعوا و خلّوا بين محمد و بين سائر العرب، فإن أصابوه فذلك الذي أردتم، و إن كان غير ذلك ألفاكم و لم تعرّضوا منه ما تريدون، إنى أرى أقواما مستميتين لا تصلون إليهم، و فيكم خير، يا قوم اعصبوها اليوم برأسي و قولوا: جبن عتبة، و أنتم تعلمون أني لست بأجبنكم. قال حكيم: فانطلقت حتى أتيت أبا جهل فوجدته قد نثل درعا له من جرابها فهو يهيّئها- و عند ابن هشام يهنئها- فقلت له: يا أبا الحكم إن عتبة قد أرسلني إليك بكذا و كذا للذي قال، فقال: انتفخ و اللّه سحره حين رأى محمدا و أصحابه، كلا و اللّه لا نرجع حتى يحكم اللّه بيننا و بين محمد و ما بعتبة ما قال، و لكنه قد رأى أنّ محمدا و أصحابه أكلة جزور، و فيهم ابنه، فقد تخوّفكم عليه، ثم بعث إلى عامر بن الحضرميّ فقال: هذا حليفك عتبة يريد أن يرجع بالناس، و قد رأيت ثأرك بعينك فقم فانشد خفرتك و مقتل أخيك، فقام عامر بن الحضرميّ فكشف عن استه، ثم صاح: وا عمراه وا عمراه؟ فحميت الحرب، و حقب أمر النّاس، و استوسقوا على ما هم عليه من الشّر، و أفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة.