سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨٢ - تنبيهات
إيّاهم عند المواجهة قليلا، ثم أيّد المؤمنين بنصره، فجعلهم في أعين الكافرين على الضّعف منهم، حتى وهنوا و ضعفوا، و غلبوا، و لهذا قال: وَ اللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ.
و روى ابن سعد و إسحاق بن راهويه و ابن منيع، و البيهقيّ، عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: لقد قلّلوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: أ تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا منهم. فقلنا: كم أنتم؟ قال: ألف.
التاسع: قال شيخ الإسلام أبو الحسن السّبكيّ (رحمه اللّه تعالى): سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) ببدر، مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناح، فأجبت: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه فتكون الملائكة مددا، على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب و سننها، التي أجزاها اللّه تعالى في عباده. و اللّه تعالى فاعل الأشياء.
و قال في الكشّاف في تفسير سورة يس في قوله تعالى: وَ ما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَ ما كُنَّا مُنْزِلِينَ [يس ٢٨] فإن قلت: فلم أنزل الجنود من السّماء يوم بدر و الخندق؟ فقال: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها [الأحزاب ٩] و قال: بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال ٩] بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ [أل عمران ١٢٤] بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [أل عمران ١٢٥] قلت: إنما كان يكفي ملك واحد فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل، و بلاد ثمود و قوم صالح بصيحة، و لكنّ اللّه تعالى فضّل محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) بكل شيء على كبار الأنبياء و أولي العزم من الرّسل فضلا على حبيبه النجار. و أولاه من أسباب الكرامة ما لم يؤته أحدا، فمن ذلك أنه أنزل له جنودا من السماء، و كأنه أشار بقوله: وَ ما أَنْزَلْنا ... وَ ما كُنَّا مُنْزِلِينَ إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهّل لها إلا مثلك، و ما كنا نفعله لغيرك.
العاشر: اختلف المفسّرون في قوله تعالى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ. بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران ١٢٤، ١٢٥] الآيات، هل كان هذا الوعد يوم بدر أو يوم أحد؟ فقال ابن عباس و الحسن، و قتادة، و عامر الشعبيّ، و الربيع بن أنس، و غيرهم، و عليه جرى الإمام البخاريّ في صحيحه و اختاره ابن جرير. و قال الحافظ: إنه قول الأكثر. و إن قوله تعالى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ، بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ