سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢١٧ - ذكر مقتل حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء رضي اللّه عنه
استمكنت منه هززت حربتي حتّى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنّته- و في لفظ:
في ثندوته- حتى خرجت من بين رجليه، و جعل ينوء نحوي فغلب فوقع فتركته و إيّاها، حتى إذا مات أتيته فأخذت حربتي، و رجعت إلى العسكر فقعدت فيه، و لم يكن لي بغيره حاجة، إنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكّة عتقت.
ثم أقمت حتى إذا فتح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مكّة هربت إلى الطّائف فكنت بها، فلما خرج وفد أهل الطّائف إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) تعيّت عليّ المذاهب، فقلت: ألحق بالشام أو اليمن أو ببعض البلاد، فو اللّه إني لفي ذلك من همّي إذ قال لي رجل: ويحك، و اللّه إنّه ما يقتل أحدا من الناس دخل في دينه. فلما قال ذلك خرجت حتى قدمت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة.
قال ابن إسحاق و في رواية يونس: لمّا قدم وحشيّ المدينة قال النّاس: يا رسول اللّه هذا وحشيّ، فقال: «دعوه، فلإسلام رجل واحد أحبّ إليّ من قتل ألف رجل كافر». قال وحشيّ:
فلم يرعه إلّا بي قائما على رأسه أشهد شهادة الحقّ، فلما رآني قال: «أ وحشيّ؟» قلت: نعم، يا رسول اللّه، قال: «أقعد فحدّثني كيف قتلت حمزة؟» قال: فحدثته، فلمّا فرغت من حديثي، قال: «ويحك! غيّب وجهك عني فلا أراك!».
و روى الطبراني بسند لا بأس به، و تمّام الرازيّ عن وحشيّ قال: لما رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعد قتل حمزة تفل في وجهي ثلاث تفلات، ثم قال: «لا ترني وجهك!».
و روى الطبرانيّ بسند حسن عن وحشيّ: قال: أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: «يا وحشيّ»، قلت: نعم، قال: «قتلت حمزة؟» فقلت: نعم، و الحمد للّه الذي أكرمه بيدي و لم يهنّي بيده، فقالت له قريش: أ تحبه و هو قاتل حمزة؟! فقلت: يا رسول اللّه استغفر لي، فتفل في الأرض ثلاثة، و دفع في صدري ثلاثة، و قال: «يا وحشيّ، اخرج فقاتل في سبيل اللّه كما قاتلت لتصدّ عن سبيل اللّه» [١].
قلت: و كونه (صلّى اللّه عليه و سلم) تفل في الأرض أصحّ من كونه تفل في وجهه، لما علم من حيائه (صلّى اللّه عليه و سلم) و محاسن أخلاقه. قال وحشيّ: فكنت أتنكّب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى قبضه اللّه تعالى، فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذّاب صاحب اليمامة خرجت معهم، و أخذت حربتي التي قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما في يده السيف و ما أعرفه، فتهيّأت له و تهيّأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى كلانا يريده، و هززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه، و شدّ عليه الأنصاريّ فضربه بالسّيف، فربّك أعلم أيّنا قتله، فإن كنت قتلته فقد قتلت خير النّاس بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و قد قتلت شرّ النّاس.
[١] ذكره المتقي الهندي في الكنز (٣٣٦٦٣).