سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠٦ - ذكر رجوع بعض المسلمين بعد توليهم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
عبد المطلب، قال: أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم أحد مصعب بن عمير اللّواء فقتل مصعب، فأخذه ملك في صورة مصعب
فجعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: «تقدّم يا مصعب».
فالتفت إليه الملك فقال: لست بمصعب، فعرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه ملك أيّد به.
و قال ابن أبي شيبة في المصنّف: حدّثنا زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة: حدّثني محمد بن ثابت أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال يوم أحد: أقدم يا مصعب، فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا رسول اللّه ألم يقتل مصعب؟ قال: «بلى، و لكن ملك قام مكانه، و تسمّى باسمه» [١].
و روى ابن عساكر عن سعد بن أبي وقّاص رضي اللّه عنه قال: لقد رأيتني أرمي بالسهم يوم أحد فيردّه عليّ رجل أبيض حسن الوجه لا أعرفه، حتى كان بعد فظننت أنّه ملك.
و روى ابن إسحاق و البيهقيّ و ابن عساكر عن عبد الله بن عون عن عمير بن إسحاق قال: لما كان يوم أحد انكشفوا عن رسول اللّه و سعد يرمي بين يديه، و فتى ينبّل له، كلما ذهب نبله أتاه بها، قال: ارم أبا إسحاق، فلما فرغوا نظروا من الشّابّ فلم يروه، و لم يعرف.
و روى البيهقيّ عن عروة في قوله تعالى: وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ [آل عمران ١٥٢] قال: كان اللّه تعالى وعدهم على الصّبر و التّقوى أن يمدّهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، و كان قد فعل، فلما عصوا أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و تركوا مصافّهم، و تركت الرّماة عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): ألّا يبرحوا من منازلهم، و أرادوا الدّنيا، رفع عنهم مدد الملائكة، و أنزل اللّه تعالى: وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ فصدق اللّه وعده و أراهم الفتح، فلما عصوا أعقبهم البلاء.
ذكر رجوع بعض المسلمين بعد توليهم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
روى ابن المنذر عن كليب بن شهاب قال: خطبنا عمر فكان يقرأ على المنبر آل عمران و يقول: إنها أحديّة فلما انتهى إلى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [آل عمران ١٥٥] قال: لمّا كان يوم أحد هزمنا و نفرت، حتى صعدت في الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأنّني أروي، فسمعت يهوديّا يقول: قتل محمد، فقلت: لا أسمع أحدا يقول: قتل محمد إلّا ضربت عنقه، فنظرت فإذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و الناس يتراجعون إليه.
قال ابن إسحاق: و كان أول من أقبل من المسلمين بعد التّولية قيس بن محرّث، و يقال:
قيس بن الحارث بن عديّ بن جشم مع طائفة من الأنصار، فصادفوا المشركين فدخلوا
[١] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٤/ ٣٩٧.