سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٨ - ذكر رمي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الكفار بالحصباء
و قال: «شاهت الوجوه، اللهمّ أرعب قلوبهم، و زلزل أقدامهم»،
فانهزم أعداء اللّه لا يلوون على شيء، و ألقوا دروعهم، و المسلمون يقتلونهم.
و روى ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أخذ ثلاث حصيات، فرمى بحصاة في ميمنة القوم، و حصاة في ميسرة القوم، و حصاة بين أظهرهم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم):
«شاهت الوجوه»، فانهزم القوم.
و روى الطبرانيّ و ابن جرير و ابن أبي حاتم بسند حسن، عن حكيم بن حزام، قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتا وقع من السماء إلى الأرض، كأنه صوت حصاة وقعت في طست، و رمى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بتلك الحصاة و قال: «شاهت الوجوه» فانهزمنا.
و روى أبو الشيخ و أبو نعيم و ابن مردويه، عن جابر رضي اللّه عنه قال: سمعت صوت حصيات وقعن من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست، فلما اصطفّ الناس أخذهنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فرمى بهنّ وجوه المشركين فانهزموا.
و روى الطبرانيّ و أبو الشيخ برجال الصحيح، عن ابن عباس: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال لعليّ: «ناولني قبضة من حصباء»، فرمى بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في وجوه الكفار، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء
[١].
و روى ابن جرير و ابن المنذر و البيهقي عن ابن عباس و الأمويّ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «يا ربّ إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا». فقال له جبريل: خذ قبضة من تراب فارم بها في وجوههم، فما بقي من المشركين من أحد إلا و أصاب عينيه و منخريه و فمه، فولّوا مدبرين، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لأصحابه: «احملوا»، فلم تكن إلا الهزيمة، فقتل اللّه من قتل من صناديدهم و أسر من أسر،
و أنزل اللّه تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال ١٧] قال ابن عقبة و ابن عائذ: فكانت تلك الحصباء عظيما شأنها، لم تترك من المشركين رجلا إلا ملأت عينيه، و جعل المسلمون يقتلونهم و يأسرونهم. و بادر كلّ رجل منهم منكبّا على وجهه لا يدري أين يتوجّه، يعالج التراب ينزعه من عينيه [٢].
قال ابن إسحاق: فكانت الهزيمة، فقتل اللّه من قتل من صناديد قريش، و أسر من أشرافهم، و رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى العريش متوشّحا بالسيف، في نفر من الأنصار يحرسونه
[١] انظر الترغيب و الترهيب ٣/ ١٧٥.
[٢] تقدم.