سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧ - ذكر خروج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، سار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالمسلمين، يريد القوم، فكره القوم، مسيرهم لشوكتهم.
و روى ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن أبي أيوب قال: لمّا سرنا يوما أو يومين قال لنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «ما ترون في القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم»؟ فقلنا: و اللّه ما لنا طاقة بقتال القوم، و لكن أردنا العير، ثم قال: ما ترون في قتال القوم؟ فقلنا مثل ذلك، و ذكر الحديث فأنزل اللّه تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ، وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ [الأنفال ٥] ثم ارتحل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من ذفران فسلك ثنايا يقال لها: الأصافر، ثم انحطّ منها إلى بلد يقال له: الدّبّة، و ترك الحنّان بيمين، و هو كثيب عظيم كالجبل العظيم، ثم نزل قريبا من بدر، فركب هو و أبو بكر الصديق حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش و عن محمد و أصحابه و ما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما؟
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «إذا أخبرتنا أخبرناك» قال: أذاك بذاك؟ قال: «نعم»، قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدا و أصحابه خرجوا يوم كذا و كذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بكذا و كذا، للمكان الذي فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و بلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا و كذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا و كذا، للمكان الذي فيه قريش، فلما فرغ من خبره قال: ممّن أنتما؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «نحن من ماء»، ثم انصرفا عنه،
و الشيخ يقول: ما من ماء، أمن ماء العراق؟
قال ابن هشام: و يقال ذلك الشيخ سفيان الضّمريّ.
قال ابن إسحاق: ثم رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى أصحابه، فلما أمسى بعث عليّ بن أبي طالب و الزّبير بن العوام و سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء ببدر، يلتمسون الخبر له، فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم، غلام بني الحجاج، و عريض- بفتح العين المهملة و كسر الراء ثم مثناة تحتية ساكنة ثم ضاد معجمة- كذا في النور، أبو يسار غلام بني العاص بن سعيد فأتوا بهما، فسألوهما و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قائم يصلّي، فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، و رجوا أن يكونا لأبي سفيان (و أصحاب العير) فضربوهما. فلمّا أذلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان (و نحن في العير) فتركوهما. و ركع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و سجد سجدتيه ثم سلّم و قال: «إذا صدقاكم ضربتموهما و إذا كذباكم تركتموهما، صدقا، و اللّه إنّهما لقريش، أخبراني عن قريش»؟ قالا: هم و اللّه وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى- و الكثيب:
العقنقل- فقال لهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «كم القوم؟» قالا: كثير- قال: ما عدّتهم؟ قالا: لا ندري، قال: كم ينحرون كلّ يوم؟ قالا: يوما تسعا و يوما عشرا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): القوم ما بين التّسعمائة و الألف، ثم قال لهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «فمن فيهم من أشراف قريش؟» قالا: