سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢٨ - ذكر رحيل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة
منها لبمكان، لما رأى من تثبّتها على أخيها و خالها، و صياحها على زوجها»، ثم قال لها: «لم قلت هذا؟» قالت: يا رسول اللّه، ذكرت يتم بنيه فراعني،
فدعا لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و لولدها أن يحسن اللّه تعالى عليهم من الخلف.
و روى ابن ماجة عن إبراهيم بن أحمد بن عبيد الله بن جحش عن أبيه عن حمنة بنت جحش: أنّه قيل لها: قتل أخوك، فقالت: (رحمه اللّه)، و إنا للّه و إنا إليه راجعون، فقالوا: قتل زوجك، فقالت: وا حزناه!
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «إن للزّوج من المرأة لشغفة ما هي لشيء!» [١].
و أقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، حتى طلع على بني عبد الأشهل و هم يبكون على قتلاهم، فذرفت عينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، ثم قال: لكنّ حمزة لا بواكي له!
فخرج النساء ينظرن إلى سلامة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقالت أمّ عامر الأشهلية: كل مصيبة بعدك جلل!.
و مرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، بامرأة من بني دينار قد أصيب أبوها و زوجها و أخوها مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، بأحد، فلمّا نعوا إليها قالت: ما فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ قالوا: خيرا يا أمّ فلان، هو بحمد اللّه كما تحبّين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه فأشير بها إليه، فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل!
و روى الطبرانيّ عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: لمّا كان يوم أحد حاص أهل المدينة حيصة، و قالوا: قتل محمد، حتى كثر الصراخ في ناحية المدينة، فخرجت امرأة من الأنصار محزمة، فاستقبلت بأبيها ابنها و زوجها و أخيها، لا أدري أيّهم استقبلت به أولا، فلما مرّت على آخرهم قالوا: أبوك، زوجك، أخوك، ابنك، فتقول: ما فعل رسول اللّه؟ يقولون:
أمامك، حتى دفعت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأخذت بناحية ثوبه، ثم قالت: بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه، لا أبالي إذا سلمت من عطب! و روى ابن أبي حاتم، عن عكرمة مرسلا قال: لما أبطأ الخبر على النساء خرجن يستخبرن، فإذا رجلان مقتولان على دابة أو بعير، فقالت امرأة من الأنصار: من هذان؟ قالوا:
فلان و فلان: أخوها و زوجها أو زوجها و ابنها. فقالت: ما فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ قالوا: حيّ، قالت: فلا أبالي، يتّخذ اللّه من عباده شهداء، و أنزل اللّه تعالى على ما قالت: وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ [آل عمران ١٤٠]
[١] أخرجه ابن ماجة (١٩٥٠) و البيهقي في السنن ٤/ ٦٦ و الحاكم في المستدرك ٤/ ٦١ و ابن كثير في البداية و النهاية ٤/ ٤٧.