سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢٤ - ذكر طلب المسلمين قتلاهم
و روى ابن إسحاق عن سمرة بن جندب رضي اللّه عنه قال: ما قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في مقام قطّ ففارقه، حتى أمر بالصدقة و نهى عن المثلة.
قال ابن إسحاق و غيره: و أقبلت صفيّة بنت عبد المطلب رضي اللّه عنها لتنظر إلى حمزة، و كان أخاها لأمها و أبيها، فكره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، أن تراه، فقال: «المرأة المرأة». فقال الزبير بن العوام: فتوسّمت أنها أمّي صفية، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «ألقها فأرجعها لا ترى ما بأخيها»، فخرج يسعى فأدركها قبل أن تنتهي إلى القتلى، فردّها فلكمت صدره، و كانت امرأة جلدة، و قالت: إليك عني، لا أرضى لك. فقال: يا أمّه إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يأمرك أنت ترجعي.
قالت: و لم و قد بلغني أنه قد مثّل بأخي؟ و ذلك في اللّه، فما أرضانا بما كان من ذلك، فلأصبرنّ و أحتسبنّ إن شاء اللّه. فجاء الزبير إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبره، فقال: «خلّ سبيلها»، فأتته فنظرت إليه، فصلّت عليه، و استرجعت، و استغفرت له.
و روى الطبرانيّ و البزار، عن ابن عباس: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) خاف على عقل صفية بنت عبد المطلب، فوضع يده على صدرها فاسترجعت، و بكت.
و روى الإمام أحمد و أبو يعلى و البزار عن الزبير و الطبرانيّ بسند رجاله ثقات، عن ابن عباس: أن صفية رضي اللّه عنها أتت بثوبين معها فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقد بلغني مقتله فكفّنوه فيهما. قال: فجئنا بالثوبين لنلفّه فيهما فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار، فعل به مثل ما فعل بحمزة، فوجدنا غضاضة و حياء أن نكفّن حمزة في ثوبين، و الأنصاريّ لا كفن له، فقلنا: لحمزة ثوب، و للأنصاريّ ثوب، فكان أحدهما أكبر من الآخر فأقرعنا بينهما فكفنّا كلّا منهما في الثوب الذي طاوله، و جعل أبو قتادة الأنصاريّ رضي اللّه عنه يريد أن ينال من قريش، لما رأى من غمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في قتل حمزة ما مثّل به، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يشير إليه أن اجلس و كان قائما،
ثم قال: «يا أبا قتادة. إنّ قريشا أهل أمانة، من بغاهم العواثر أكبّه اللّه تعالى لفيه، و عسى إن طالت بك حياة أن تحقر عملك مع أعمالهم، و فعالك مع فعالهم، لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند اللّه تعالى». فقال أبو قتادة: يا رسول اللّه، ما غضبت إلا للّه عزّ و جلّ و لرسوله (صلّى اللّه عليه و سلم)، حين نالوا من حمزة ما نالوا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «صدقت، بئس القوم كانوا لنبيّهم».
و روى الحاكم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: قتل حمزة جنبا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «غسّلته الملائكة»،
و عند ابن سعد عن الحسن مرسلا: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «لقد رأيت الملائكة تغسّل حمزة» [١].
[١] أخرجه أحمد في المسند ٢/ ١٧٥ و ذكره الهيثمي في المجمع ٢/ ١٠٥.