سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨١ - تنبيهات
و تسليمها إلى عالمها و قائلها.
السادس: قال الإمام أبو سليمان الخطابيّ (رحمه اللّه تعالى) ما حاصله: لا يجوز أن يتوهّم أحد أنّ أبابكر رضي اللّه عنه كان أوثق بربّه من النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) في تلك الحال، بل الحامل للنبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) على ذلك شفقته على أصحابه و تقوية قلوبهم، لأنه كان أول مشهد شهده، فبالغ في التوجّه و الدعاء و الابتهال، لتسكن نفوسهم عند ذلك، لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال كفّ عن ذلك، و علم أنه استجيب له، لما وجد أبو بكر في نفسه من القوة و الطمأنينة، فلهذا عقّبه بقوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ [القمر ٤٥].
و قال القاضي أبو بكر بن العربيّ (رحمه اللّه تعالى): كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) في مقام الخوف، و صاحبه في مقام الرّجاء، و كلا المقامين سواء في الفضل. قال تلميذه السّهيليّ: لا يريد أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) و الصّديق سواء، و لكن الرجاء و الخوف مقامان لا بد للإيمان منهما، فأبو بكر كان في تلك الساعة في مقام الرجاء للّه تعالى، و النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) كان في مقام الخوف من اللّه تعالى، لأن اللّه تعالى يفعل ما يشاء فخاف ألّا يعبد اللّه تعالى في الأرض بعدها. و قال قاسم بن ثابت في دلائله: إنما قال الصّدّيق للنبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) ما قال معاونة و رقّة عليه، لما رأى من نصبه في الدعاء و التضرّع حتى سقط الرّداء عن منكبيه، فقال له: بعض هذا يا رسول اللّه، أي لم تتعب نفسك هذا التعب و اللّه تعالى قد وعدك بالنصر؟! و كان رقيق القلب شديد الإشفاق على النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)، و زلّ من لا علم عنده ممّن ينسب إلى التصوف في هذا الموضع زللا شديدا، فلا يلتفت إليه، و لعل الخطّابيّ أشار إليه.
السابع: قال في الروض: سبب شدة اجتهاده و نصبه في الدعاء أنه رأى الملائكة تنصب في القتال و جبريل على ثناياه الغبار، و أنصار اللّه تعالى يخوضون غمرات الموت.
و الجهاد على ضربين: جهاد بالسيف، و جهاد بالدعاء، و من سنّة الإمام أن يكون من وراء الجند لا يقاتل معهم، فكأن الكل في جهاد و جدّ، و لم يكن ليريح نفسه من أحد الجدّين و الجهادين و أنصار اللّه و ملائكته يجتهدون و لا يؤثر الدّعة، و حزب اللّه تعالى مع أعدائه يجتلدون.
الثامن: لا تعارض بين قوله تعالى: وَ إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَ يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا [الأنفال ٤٤] و بين قوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا، فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ أُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَ اللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ [آل عمران ١٣] فإن المعنى في ذلك أصحّ الأقوال أن الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثل عدد الكافرة على الصّحيح أيضا، و ذلك عند التحام الحرب و المسابقة، فأوقع اللّه تعالى الوهن و الرّغب في قلوب الذين كفروا، فاستدرجهم أولا بأن أراهم