سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٣ - ذكر انهزام المشركين
رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأعطاه جذلا من حطب و قال: «قاتل بهذا يا عكّاشة».
فلما أخذه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) هزّه فعاد سيفا في يده طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح اللّه على المسلمين، و كان ذلك السيف يسمى العون، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى قتل في أيام الرّدّة، قتله طلحة بن خويلد الأسديّ.
و روى البيهقيّ عن داود بن الحصين عن رجال من بني عبد الأشهل عدّة، قالوا: انكسر سيف سلمة بن الحريش- بفتح الحاء المهملة و كسر الراء و بالشين المعجمة- يوم بدر فبقي أعزل لا سلاح معه، فأعطاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قضيبا كان في يده من عراجين نخل ابن طاب فقال: اضرب به، فإذا هو سيف جيّد، فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيدة
[١].
ذكر بركة أثر ريقه و يده (صلّى اللّه عليه و سلم)
روى البيهقيّ عن ابن إسحاق قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن قال: ضرب خبيب- يعني بن عديّ- يوم بدر، فمال شقّه، فتفل فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و لأمه و ردّه فانطبق.
و روى البيهقيّ عن قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه يوم بدر، فسالت حدقته على و جنته، فأرادوا أن يقطعوها، فسألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: «لا»، فدعا به فغمز حدقته براحته، فكان لا يدري أيّ عينيه أصيبت.
و روى أيضا عن رفاعة بن رافع بن مالك قال: لما كان يوم بدر رميت بسهم ففقئت عيني، فبصق فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و دعا لي، فما آذاني منها شيء.
قال ابن إسحاق: و وضع المسلمون أيديهم يأسرون، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في العريش، و سعد بن معاذ قائم على باب العريش في نفر من الأنصار، يحرسون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، يخافون عليه كرّة العدوّ، و رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في وجه سعد الكراهة لما يصنع الناس،
فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «و اللّه لكأنيّ بك يا سعد تكره ما يصنع القوم».
قال: أجل يا رسول اللّه، كانت هذه أول وقعة أوقعها اللّه بأهل الشّرك، فكان الإثخان في القتل أحبّ إليّ من استبقاء الرجال.
ذكر انهزام المشركين
قال ابن سعد: و رجعت قريش إلى مكة منهزمين، و رئي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في إثرهم مصلتا بالسيف، يتلو هذه الآية سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر ٤٥].
[١] أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/ ٣٧٠.