سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٣ - الباب التّاسع عشر في غزوة الخندق
الباب التّاسع عشر في غزوة الخندق
و تسمّى غزوة الأحزاب، و هي الغزوة التي ابتلى اللّه فيها عباده المؤمنين، و بعث الإيمان في قلوب أوليائه المتقين، و أظهر ما كان يبطنه أهل النفاق، و فضحهم و فزّعهم، ثم أنزل اللّه تبارك و تعالى نصره و نصر عبده، و هزم الأحزاب وحده، و أعزّ جنده، و ردّ الكفرة بغيظهم، و وقى المؤمنين شرّ كيدهم، و حرّم عليهم شرعا و قدرا أن يغزوا المؤمنين بعدها، بل جعلهم المغلوبين، و جعل حزبه هم الغالبين.
و سببها أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) لمّا أجلى بني النّضير، و ساروا إلى خيبر، و بها من يهود قوم أهل عدد و جلد، و ليس لهم من البيوت و الأحساب ما لبني النضير، فخرج حييّ بن أخطب و كنانة بن أبي الحقيق و هوذة- بفتح الهاء و بالذال المعجمة- ابن قيس الوائليّ، و أبو عامر الفاسق، في جماعة سواهم، إلى مكة فدعوا قريشا و أتباعها إلى حرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و هم الذين حزّبوا الأحزاب، فقالوا لقريش: نحن معكم حتى نستأصل محمدا، جئنا لنحالفكم على عداوته و قتاله، و نشطت قريش لذلك، و تذكروا أحقادهم ببدر، فقال أبو سفيان: مرحبا و أهلا، أحبّ الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد. و أخرج خمسين رجلا من بطون قريش كلّها، و تحالفوا و تعاقدوا و ألصقوا أكبادهم بالكعبة، و هم بينها و بين أستارها، لا يخذل بعضهم بعضا، و لتكوننّ كلمتهم واحدة على محمد، ما بقي منهم رجل.
و قال أبو سفيان: يا معشر يهود، أنتم أهل الكتاب الأوّل و العلم، أخبرونا عمّا أصبحنا نختلف فيه نحن و محمد: أديننا خير أم دينه؟ فنحن عمّار البيت، ننحر الكوم، و نسقي الحجيج، و نعبد الأصنام. فقالت يهود: اللهم أنتم أولى بالحقّ منه، إنكم لتعظّمون هذا البيت، و تقومون على السّقاية، و تنحرون البدن، و تعبدون ما كان يعبد آباؤكم، فأنتم أولى بالحقّ منه.
فأنزل اللّه سبحانه و تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ، وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَ مَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً. أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ، فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ، وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، وَ كَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً [سورة النساء من ٥١: ٥٥].
فلما قالوا ذلك لقريش سرّهم، و نشطوا إلى ما دعوهم إليه من حرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فاتّعدوا لذلك وقتا أقّتوه.