سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠٨ - ذكر قتله (صلّى اللّه عليه و سلم) أبي بن خلف عدوّ اللّه تعالى
كأنهم لم يصبهم شيء حين رأوه، و فرحوا بذلك فرحا شديدا، فلما عرف المسلمون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) نهضوا به، و نهض معهم نحو الشّعب و معه أبو بكر الصديق، و عمر بن الخطاب، و عليّ بن أبي طالب، و طلحة بن عبيد الله، و الزبير بن العوام، و الحارث بن الصّمّة، و رهط من المسلمين.
ذكر قتله (صلّى اللّه عليه و سلم) أبي بن خلف عدوّ اللّه تعالى
روى البيهقي عن سعيد بن المسيّب، و أبو نعيم عن عروة: أن أبيّ بن خلف قال حين افتدى من الأسر ببدر: و اللّه إن عندي العود- فرسا- أعلفها كلّ يوم فرقا من ذرة، و لأقتلنّ عليها محمدا،
فبلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: «بل أنا أقتله إن شاء اللّه».
انتهى. و قيل: إنه كان يقول ذلك للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بمكة قبل الهجرة،
فلما كان يوم أحد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لأصحابه:
«إني أخشى أن يأتي أبيّ بن خلف من خلفي، فإذا رأيتموه فآذنوني به»،
و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لا يلتفت في القتال وراءه، فلما أسند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في الشّعب أدركه، و هو مقنّع في الحديد يركض على فرسه، و قد رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجا. فاستقبله مصعب بن عمير يقي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بنفسه، فقتل مصعبا، فقال القوم: يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كنت صانعا حين يغشاك أبيّ فقد جاءك، فإن شئت يعطف عليه رجل منّا،
و في رواية: فاعترض له رجال من المؤمنين، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «دعوه و خلّوا طريقه»،
فلما دنا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، قال: «يا كذاب، أين تفرّ؟» فتناول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الحربة من الحارث بن الصّمّة، و يقال: من الزّبير بن العوّام، فلما أخذها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) انتفض بها انتفاضة تطاير عنه أصحابه تطاير الشّعراء من ظهر البعير إذا انتفض بها، و لم يكن أحد يشبه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا جدّ الجدّ، ثم استقبله بها فطعنه في عنقه- و في لفظ: في ترقوته من فرجة سابغة البيضة و الدّرع- طعنة تدأدأ منها مرارا عن فرسه، و جعل يخور كما يخور الثّور، و في لفظ: فخدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم، و في لفظ: أنه كسر ضلعا من أضلاعه فرجع إلى قومه، فقال: قتلني و اللّه محمد! فقالوا: ذهب و اللّه فؤادك، و اللّه إن بك بأس، و ما أجزعك، إنما هو خدش، و لو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ما ضرّه. فيقول: لا و اللّات و العزّى، لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز- و في لفظ: بربيعة و مضر- لماتوا أجمعون، إنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك، فو اللّه لو بصق عليّ لقتلني. فمات عدوّ اللّه بسرف و هم قافلون.
و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يومئذ: «اشتدّ غضب اللّه عزّ و جلّ على رجل قتله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فسحقا لأصحاب السّعير».
و روى محمد بن عمر الأسلميّ عن عبد الله بن عمر رضي اللّه عنهما قال: مات أبيّ بن خلف ببطن رابغ، فإنّي لأسير بعد هويّ