سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٢ - ذكر إرسال قريش في فداء الأسارى
أعطني، إني فأديت نفسي و فأديت عقيلا، فقال: «خذ». فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: مر بعضهم يرفعه إليّ، قال: «لا»، قال: فارفعه أنت عليّ، قال: «لا»، فنثر منه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: مر بعضهم يرفعه إليّ. قال: «لا»، قال: فارفعه أنت عليّ، قال: «لا»، فنثر منه، ثم احتمله على كاهله، ثم انطلق و هو يقول: إنما آخذ ما وعد اللّه، فقد أنجز، فما زال يتبعه بصره حتى خفي علينا، عجبا من حرصه، فما قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و ثمّ منها درهم [١].
و منّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على نفر من الأسارى يوم بدر من قريش بغير فداء. منهم: أبو عزّة عمرو بن عبد الله الجمحيّ، و كان محتاجا ذا عيال، فكلّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه، لقد عرفت مالي من مال، و إني لذو حاجة و ذو عيال فامنن عليّ، فمنّ عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أخذ عليه ألّا يظاهر عليه أحدا، فقال أبو عزّة في ذلك يمدح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و يذكر فضله في قومه:
من مبلغ عنّي الرّسول محمّدا* * * بأنّك حقّ و المليك حميد
و أنت امرؤ تدعو إلى الحقّ و الهدى* * * عليك من اللّه العظيم شهيد
و أنت امرؤ بوّئت فينا مباءة* * * لها درجات سهلة و صعود
فإنّك من قاربته لمحارب* * * شقيّ و من سالمته لسعيد
و لكن إذا ذكّرت بدرا و أهله* * * تأوب ما بي حسرة و قعود
و ذكر ابن عقبة أنّ المسلمين جهدوا على أبي عزّة هذا أن يسلم عند ما أسر ببدر، فقال:
لا حتى أضرب في الخزرجيّة يوما إلى الليل.
قال أبو الرّبيع: و ما وقع في شعره و محاورته رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لا أعلم له مخرجا إن صحّ، إلّا أن يكون ذلك من جملة ما قصد به أبو عزة أن يخدع به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فعاد على عدوّ اللّه ما قصد، و لم يخدع إلا نفسه و ما شعر، و سيأتي بيان ذلك في غزوة حمراء الأسد، بعد أحد.
و منهم: وهب بن عمير بن وهب الجمحيّ، قدم أبوه عمير في فدائه، و حاول الفتك برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، لاتفاقه مع صفوان بن أمية على ذلك فأظهر اللّه تعالى رسوله عليه فأعلمه به، فكان ذلك سبب إسلامه، كما سيأتي ذلك في المعجزات، إن شاء اللّه تعالى.
[١] أخرجه البخاري (٤٢١- ٣١٦٥).