سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧١ - ذكر إرسال قريش في فداء الأسارى
خراش بن الصّمّة،
فلما بعثت قريش فداء الأسرى بعثت زينب بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في فداء أبي العاص و أخيه عمرو بن الرّبيع بمال، فلما رآها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رقّ لها رقّة شديدة، و قال:
«إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها و تردّوا عليها مالها فافعلوا»،
فقالوا: نعم يا رسول اللّه، فأطلقوه و ردّوا عليها الذي لها.
و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قد أخذ عليه أن يخلّي سبيل زينب إليه، و كان فيما شرط عليه في إطلاقه، و لم يظهر ذلك منه و لا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فيعلم ما هو، إلا أنه
لما خرج بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) زيد بن حارثة و رجلا من الأنصار، مكانه، فقال: «كونا ببطن يأجح حتى تمرّ بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها»،
فخرجا مكانهما، و ذلك بعد بدر بشهر أو شيعه، فلما قدم أبو العاص مكّة أمرها باللّحوق بأبيها، فخرجت تجهّز، فكان ما سيأتي في الحوادث.
و قال جماعة من الأسارى لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) منهم العبّاس: إنا كنا مسلمين، و إنما خرجنا كرها فعلام يؤخذ منا الفداء؟ فأنزل اللّه تعالى فيما قالوا: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ من الأُسارى و في قراءة: الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً، إيمانا و إخلاصا يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ و من الفداء بأن يضعّفه لكم في الدّنيا و يثيبكم في الآخرة وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذنوبكم وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَ إِنْ يُرِيدُوا أي الأسارى خِيانَتَكَ بما أظهروا من القول فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ قبل بدر بالكفر فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ببدر قتلا و أسرا فليوقّعوا مثل ذلك إن عادوا وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ [الأنفال ٧٠، ٧١] في صنعه.
و روى ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و البيهقيّ، و أبو نعيم في الدّلائل، و إسحاق بن راهويه في سنده، و ابن جرير و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم و الطّبرانيّ، و أبو الشّيخ عن طرق، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، و ابن إسحاق، و أبو نعيم، عن جابر بن عبد الله بن رئاب: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أسر يوم بدر سبعين من قريش، منهم العبّاس و عقيل، فجعل عليهم الفداء أربعين أوقية من ذهب.
قال سعيد بن جبير: و جعل على العباس مائة أوقية، و قالوا أربعين، و على عقيل ثمانين أوقية، فقال العباس: لقد تركتني فقير قريش ما بقيت، فأنزل اللّه تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى [الأنفال: ٧٠] الآية. قال العباس حين أنزلت: لوددت أنك كنت أخذت مني أضعافها فأتاني اللّه خيرا منها أربعين عبدا، كلّ في يده ماله يضرب به، و إني أرجو من اللّه المغفرة.
و روى البخاريّ و ابن سعد عن أنس: «أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أتي بمال من البحرين فقال: «انثروه في المسجد»، فكان أكثر مال أتي به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، إذ جاءه العباس فقال: يا رسول اللّه