سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١٧ - الباب الخامس عشر في غزوة بني النضير
الباب الخامس عشر في غزوة بني النضير
اختلفوا في سببها، فروى عبد الرزّاق و عبد بن حميد، و أبو داود، و البيهقيّ بإسناد صحيح، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): أنّ كفّار قريش كتبوا إلى ابن أبيّ و من كان يعبد معه الأوثان من الأوس و الخزرج، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: «إنكم قد آويتم صاحبنا، و إنكم أكثر أهل المدينة عددا، و إنّا نقسم باللّه لنقاتلنّه، أو لتخرجنّه، أو لنستعدينّ عليكم العرب، ثم لنسيرنّ إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم، و نستبيح نساءكم، و أبناءكم». فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبيّ و من كان معه من عبدة الأوثان تراسلوا، و اجتمعوا لقتال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه، فلما بلغه (صلّى اللّه عليه و سلم) لقيهم في جماعة من أصحابه،
فقال: «لقد بلغ و عيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيدكم بأكثر ممّا تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم و إخوانكم»
[١]. فلما سمعوا ذلك من النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) تفرّقوا و عرفوا الحق.
فبلغ ذلك كفّار قريش، فكتبوا بعد وقعة بدر إلى اليهود: «إنكم أهل الحلقة و الحصون، و إنكم لتقاتلنّ صاحبنا أو لنفعلنّ كذا و كذا، و لا يحول بين خدم نسائكم شيء»، فلما بلغ كتابهم اليهود اجتمعت بنو النّضير بالغدر، فأرسلوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): اخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك، و ليخرج منا ثلاثون حبرا، حتى نلتقي على أمر بمكان نصف بيننا و بينك، فيسمعوا منك، فإن صدّقوك و آمنوا بك آمنّا بك كلنا. فلما كان من الغد غدا عليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في ثلاثين رجلا من أصحابه، و خرج إليه ثلاثون حبرا من يهود، حتى إذا برزوا في براز من الأرض قال بعضهم لبعض: كيف تخلصون إليه و معه ثلاثون رجلا من أصحابه، كلّهم يحب أن يموت قبله، فأرسلوا إليه: كيف نفهم و نحن ستّون رجلا اخرج في ثلاثة من أصحابك و نخرج إليك في ثلاثة من علمائنا، فيسمعوا منك، فإن صدّقوك و آمنوا بك آمنّا بك، فخرج إليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في ثلاثة من أصحابه و خرجت ثلاثة من اليهود، و اشتملوا على الخناجر، و أرادوا الفتك برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النّضير إلى أخيها و هو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته خبر ما أراد بنو النّضير من الغدر برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأقبل أخوها سريعا حتى أدرك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فسارّه بخبرهم قبل أن يصل إليهم، فرجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة فذكر الحديث.
[١] أخرجه أبو داود ٣/ ١٥٦ (٣٠٠٤) و البيهقي في الدلائل ٣/ ١٧٩ و عبد الرزاق في المصنف (٩٧٣٣).