سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٠ - ذكر وصول أبي سفيان إلى قرب المدينة و حذره من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
و ربط به على قلوبهم، و لم يمنعهم من السير، و سال الوادي فشرب المؤمنون، و ملأوا الأسقية، و سقوا الرّكاب، و اغتسلوا من الجنابة، كما قال تعالى: وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ، وَ لِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ [الأنفال ١١].
و أصاب المسلمين تلك الليلة نعاس ألقي عليهم فناموا، حتى إن أحدهم ذقنه بين يديه و ما يشعر حتى يقع على جنبه.
و روى أبو يعلى و البيهقيّ في الدلائل عن عليّ رضي اللّه عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، و لقد رأيتنا و ما فينا إلا نائم، إلا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يصلّي تحت شجرة حتى أصبح.
و روى عبد بن حميد عن قتادة قال: كان النعاس أمنة من اللّه، و كان النعاس نعاسين:
نعاس يوم بدر و نعاس يوم أحد، و كانت ليلة الجمعة، و بين الفريقين قوز من الرمل. و بعث (صلّى اللّه عليه و سلم) عمّار بن ياسر و عبد الله بن مسعود رضي اللّه عنهما، فأطافا بالقوم، ثم رجعا فأخبراه أنّ القوم مذعورون، و أن السماء تسحّ عليهم و سار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عشاء، يبادرهم الماء فسبقهم إليه، و منعهم من السّبق إليه المطر، أرسله اللّه تعالى عليهم حتى جاء أدنى ماء من بدر، فنزل،
فقال الحباب بن المنذر بن الجموح فيما رواه ابن إسحاق: يا رسول اللّه، أ رأيت هذا المنزل [أ منزلا] أنزلكه اللّه، ليس لنا أن نتقدّمه، و لا نتأخرّ عنه، أم هو الرأي و الحرب و المكيدة؟ قال:
بل هو الرأي و الحرب و المكيدة، قال: يا رسول اللّه، ليس هذا المنزل فانهض بالنّاس، حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغوّر ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء [ثم نقاتل القوم] فنشرب و لا يشربون، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لقد أشرت بالرّأي». و ذكر ابن سعد أنّ جبريل نزل على النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: الرأي ما أشار به الحباب،
فنهض (صلّى اللّه عليه و سلم) و من معه من الناس، حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه نصف الليل، ثم أمر بالقلب فغوّرت، و بنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملأه ماء، ثم قذفوا فيه الآنية. فقال سعد بن معاذ: يا رسول اللّه، ألا نبني لك عريشا تكون فيه، و نعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدوّنا، فإن أعزّنا اللّه تعالى و أظهرنا على عدوّنا كان ذلك ما أحببنا و إن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فلقد تخلّف عنك أقوام، يا نبيّ اللّه، ما نحن بأشدّ حبّا لك منهم، و لو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلّفوا عنك، يمنعك اللّه بهم، يناصحونك و يجاهدون معك. فأثنى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) خيرا، و دعا له بخير، ثم بني لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عريش على تلّ مشرف على المعركة، فكان فيه هو و أبو بكر و ليس معهما غيرهما، و قام سعد بن معاذ رضي اللّه عنه على بابه متوشّحا بالسّيف، و مشى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في موضع المعركة، و جعل