سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٤ - ذكر نقض بني قريظة العهد الذي بينهم و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
و أمر كعب بن أسد حييّ بن أخطب أن يأخذ لهم من قريش و غطفان رهائن تكون عندهم. فبلغ عمر بن الخطاب خبر نقض بني قريظة العهد، فأعلم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بخبرهم، فبعث سعد بن معاذ، و سعد بن عبادة و هما سيّدا قومهما، و معهما عبد الله بن رواحة و خوّات بن جبير- زاد محمد بن عمر: و أسيد بن حضير- فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقّا فالحنوا إليّ لحنا أعرفه و لا تفتّوا في أعضاد النّاس، و إن كانوا على الوفاء فيما بيننا و بينهم فاجهروا به للناس.
فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم قد نقضوا العهد، فناشدوهم اللّه و العهد الذي كان بينهم أن يرجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك، قبل أن يلتحم الأمر، و لا يطيعوا حييّ بن أخطب، فقال كعب: لا نردّه أبدا، قد قطعته كما قطعت هذا القبال- لقبال نعله- و قال: من رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلم))؟ لا عهد بيننا و بينه. فشاتمهم سعد بن عبادة، كما قال ابن عقبة و محمد بن عمر و ابن عائذ و ابن سعد- و قال ابن إسحاق: إنه سعد بن معاذ- و شاتموه و كان رجلا فيه حدّة، فقال له سعد بن معاذ- أو سعد بن عبادة إن كان الأول سعد بن معاذ-: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا و بينهم أربى من المشاتمة. و قال أسيد بن حضير لكعب: أ تسبّ سيدك يا عدوّ اللّه ما أنت له بكفء يا بن اليهوديّة، و لتولّينّ قريش إن شاء اللّه منهزمين، و تتركك في عقر دارك فنسير إليك، فننزلك من جحرك هذا على حكمنا. و رجعوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال سعد بن عبادة: عضل و القارة، يعني كغدر عضل و القارة بأصحاب الرّجيع. و سكت الباقون، ثم جلسوا.
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): أبشروا يا معشر المؤمنين بنصر اللّه تعالى و عونه، إني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق و آخذ المفتاح، و ليهلكنّ كسرى و قيصر و لتنفقنّ أموالهم في سبيل اللّه.
يقول ذلك حين رأى ما بالمسلمين من الكرب. قال ابن عقبة:
ثم تقنّع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بثوبه حين جاءه الخبر عن بني قريظة، فاضطجع و مكث طويلا، و انتهى الخبر إلى المسلمين بنقض بني قريظة العهد، فاشتد الخوف و عظم البلاء، و خيف على الذراريّ و النساء، و كانوا كما قال اللّه تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب ١٠].
و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و المسلمون قبالة عدوّهم، لا يستطيعون الزّوال عن مكانهم، يعتقبون خندقهم يحرسونه.
و نجم النفاق من بعض المنافقين، فقال معتّب بن قشير: كان محمد يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى و قيصر و أن أموالهما تنفق في سبيل اللّه، و أحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب ١٢] و قال رجال ممّن معه: يا أَهْلَ