سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٩٥ - ذكر ترك الرماة مكانهم الذي أقامهم فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و ما حصل بسبب ذلك
قتله، فحمله أبو زيد بن عمير بن عبد مناف بن هاشم بن عبد الدار فقتله قزمان، فحمله قاسط بن شرحبيل بن هاشم بن عبد الدار فقتله قزمان أيضا فحمله صؤاب- غلام لهم حبشي- فقالوا: لا نؤتينّ من قبلك فقطعت يمينه، فأخذ اللواء بشماله فقطعت، فالتزم القناة بصدره و عنقه و قال: اللهم هل أعززت؟ فقالوا: نعم، فرماه قزمان فقتله، و هو أثبت الأقاويل، فتفرّق المشركون، فأخذت اللواء عمرة بنت علقمة الحارثيّة فأقامته فثابوا عليه، و في لفظ:
لأثوابه.
و لما قتل أصحاب اللواء انكشف المشركون منهزمين، لا يلوون على شيء، و نساؤهم يدعون بالويل، و تبعهم المسلمون يقتلونهم حيث شاءوا، حتى أجهضوهم عن العسكر.
قال الزبير بن العوام، و البراء بن عازب: لقد رأيتنا ننظر إلى خدم هند بنت عتبة، و صواحبها مشمرات هوارب يرفعن عن سوقهنّ، حتى بدت خلاخلهنّ، و انهزم القوم ما دون أخذهن قليل و لا كثير، و كانت الهزيمة لا شكّ فيها، و دخل المسلمون عسكر المشركين فانتهبوه.
ذكر ترك الرماة مكانهم الذي أقامهم فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و ما حصل بسبب ذلك
لما رأى أصحاب عبد الله بن جبير و هم الرّماة ما حصل للمشركين قالوا: أي قوم، الغنيمة الغنيمة، لم تقيمون هاهنا في غير شيء، قد هزم اللّه تعالى العدوّ، و هؤلاء إخوانكم قد ظهروا، و هم ينتهبون عسكرهم، فادخلوا عسكر المشركين فاغنموا مع إخوانكم، فقال عبد الله بن جبير و من وافقه: ألم تعلموا
أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال لكم: «احموا ظهورنا و لا تبرحوا من مكانكم، و إذا رأيتمونا نقتل، فلا تنصرونا، و إن غنمنا فلا تشركونا، احموا ظهورنا؟!»
فقال الآخرون: لم يرد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) هذا. و انطلقوا فلم يبق مع أميرهم عبد الله بن جبير إلا دون العشرة، و ذهب الباقون إلى عسكر المشركين ينتهبون، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، و نظر خالد بن الوليد إلى الجبل و قلّة أهله، فكّرّ بالخيل و تبعه عكرمة بن أبي جهل- و أسلما بعد ذلك- فحملوا على من بقي من الرّماة فقتلوهم، و ثبت أميرهم عبد اللّه، فقاتل حتى قتل، فجرّدوه و مثّلوا به أقبح مثله، و كانت الرماح قد شرعت في بطنه، حتى خرقت ما بين سرته إلى خاصرته إلى عانته، و خرجت حشوته، و أحاطوا بالمسلمين. فبينما المسلمون قد شغلوا بالنّهب و الغنائم إذ دخلت الخيول تنادى فرسانها بشعارهم: يا للعزّى، يا لهبل، و وضعوا السيوف في المسلمين و هم آمنون و كلّ في يديه أو حضنه شيء قد انتهبه. و لما رأى المشركون خيلهم ظاهرة رجعوا فشدّوا على المسلمين فهزموهم، فقتلوا فيهم قتلا ذريعا، و تفرّق المسلمون