سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٩٧ - ذكر ثبات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
مرّة عنه، فربما رأيته قائما يرمي عن قوسه، و يرمي بالحجر حتى تحاجزوا، و ثبت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في عصابة ثبتت معه.
و قال محمد بن عمر: ثبت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مكانه ما يزول قدما واحدا، بل وقف في وجه العدوّ، و ما يزال يرمي عن قوسه حتى تقطّع و تره، و بقيت في يده منه قطعة تكون شبرا في سية القوس، فأخذ القوس عكّاشة بن محصن ليوتره له، فقال: يا رسول اللّه لا يبلغ الوتر، فقال:
«مدّه فيبلغ»، قال عكّاشة: فو الذي بعثه بالحقّ لمددته حتى بلغ، و طويت منه ليّتين أو ثلاثا على سية القوس، ثم أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قوسه، فما زال يرمي به و أبو طلحة يستره متترّسا عنه حتى تحطّمت القوس، و صارت شظايا، و فنيت نبله، فأخذ القوس قتادة بن النعمان، فلم تزل عنده، و رمى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالحجارة، و كان أقرب الناس إلى العدوّ، و ثبت معه (صلّى اللّه عليه و سلم) خمسة عشر رجلا: ثمانية من المهاجرين: أبو بكر، و عمر، و عليّ، و طلحة، و الزبير، و عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبي وقاص، و أبو عبيدة بن الجرّاح. و سبعة من الأنصار: الحباب بن المنذر، و أبو دجانة، و عاصم بن ثابت، و الحارث بن الصّمّة، و سهل بن حنيف و سعد بن معاذ- و قيل: سعد بن عبادة- و محمد بن مسلمة. و يقال: ثبت بين يديه يومئذ ثلاثون رجلا كلّهم يقول: وجهي دون وجهك، و نفسي دون نفسك، و عليك السلام غير مودّع!
و روى الطّبرانيّ عن ابن عباس: أن ابن مسعود ثبت يومئذ مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لمّا انكشف الناس عنه إلى الجبل لا يلوون يدعوهم في أخراهم يقول: «إليّ يا فلان، أنا رسول اللّه»، فما يعرّج عليه أحد، و هذا النّبل يأتيه (صلّى اللّه عليه و سلم) من كل ناحية، و اللّه تعالى يصرف ذلك عنه.
و روى محمد بن عمر الأسلميّ عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النّبل من كل ناحية، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) وسطها، كل ذلك يصرف عنه. و لقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهريّ يقول يومئذ: دلّوني على محمد، لا نجوت إن نجا. و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى جنبه ما معه أحد، ثم جاوزه فعاتبه صفوان بن أميّة في ذلك، فقال: و اللّه ما رأيته، أحلف باللّه إنّه منّا ممنوع، أما و اللّه خرجنا أربعة فتعاهدنا، و تعاقدنا على قتله، فلم نخلص إليه.
قال ابن سعد: قال أبو النّمر الكنانيّ و هو جدّ شريك بن عبد الله بن أبي نمر: شهدت أحدا مع المشركين، و رميت يومئذ بخمس مرماة، فأصبت منها بأسهم، و إني لأنظر إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و إن أصحابه لمحدقون به، و إنّ النّبل لتمر عن يمينه و عن شماله، [و تقصر] بين يديه، و تخرج من ورائه، ثم هداني اللّه للإسلام.