سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢٩ - ذكر رحيل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة
و جاءت أمّ سعد بن معاذ، و هي كبشة بنت رافع تعدو نحو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و قد وقف على فرسه، و سعد بن معاذ آخذ بعنان فرسه، فقال سعد: يا رسول اللّه! أمّي!، فقال: «مرحبا بها»، فدنت حتى تأملت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و قالت: أما إذ رأيتك سالما فقد أشوت المصيبة، فعزّاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعمرو بن معاذ ابنها، ثم قال: «يا أمّ سعد، أبشري و بشّري أهليهم: أنّ قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعا، و قد شفّعوا في أهليهم» قالت: رضينا يا رسول اللّه، و من يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: يا رسول اللّه ادع لمن خلّفوا فقال: «اللهم أذهب حزن قلوبهم، و اجبر مصيبتهم، و أحسن الخلف على من خلّفوا»، ثم قال: «خلّ يا أبا عمرو- يعني سعد بن معاذ- الدّابّة»، فخلّى سعد الفرس، فتبعه النّاس، فقال: «أبا عمرو إنّ الجراح في أهل دارك فاشية، و ليس منهم مجروح إلا يأتي يوم القيامة جرحه كأغزر ما كان، اللّون لون الدّم، و الرّيح ريح المسك، فمن كان مجروحا فليقرّ في داره و ليداو جرحه، و لا يبلغ معي بيتي، عزيمة منّي». فنادى فيهم سعد: عزيمة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ألّا يتّبع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) جريح من بني عبد الأشهل، فتخلّف كلّ مجروح، فباتوا يوقدون النّيران، و يداوون الجرحى، و مضى سعد مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى جاء بيته، فما نزل نبي اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، عن فرسه إلا حملا، و اتّكأ على سعد بن عبادة و سعد بن معاذ، حتى دخل بيته، فلما انتهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة، فقال: «اغسلي عن هذا دمه، فو اللّه لقد صدقني اليوم»، و ناولها عليّ بن أبي طالب سيفه، فقال: «و هذا، فاغسلي عنه دمه، فو اللّه لقد صدقني اليوم»، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم):
«لئن كنت صدقت القتال لقد صدقه معك سهل بن حنيف و أبو دجانة».
و روى الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: جاء علي بسيفه يوم أحد و قد انحنى، فقال لفاطمة: هاك السيف حميدا، فإنه قد شفاني اليوم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لئن أجدت الضّرب بسيفك لقد أجاد سهل بن حنيف، و أبو دجانة، و عاصم بن ثابت، و الحارث بن الصّمّة».
قال ابن هشام: و حدّثني بعض أهل العلم أنّ ابن أبي نجيح قال: نادى مناد يوم أحد:
لا سيف إلّا ذو الفقا* * * ر و لا فتّى إلّا عليّ
يعني بذي الفقار سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و هو الذي غنمه يوم بدر، و هو الذي رأى فيه الرّؤيا يوم أحد.
و لما أذّن بلال بصلاة المغرب خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و هو على تلك الحال، يتوكّأ على السّعدين، فصلّى بهم، ثم عاد إلى بيته. و مضى سعد بن معاذ إلى نسائه و نساء قومه، فساقهنّ حتى لم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، يبكين حمزة بين المغرب