سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٩ - ذكر خطبته (صلّى اللّه عليه و سلم) و تهيئته للقتال
و روى سعيد بن منصور، و عبد بن حميد، و الشيخان، و البيهقيّ، عن جابر بن عبد الله، قال: فينا نزلت، في بني حارثة و بني سلمة: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا و ما يسرّني أنها لم تنزل لقول اللّه تعالى: وَ اللَّهُ وَلِيُّهُما [١].
و روى ابن جرير عن السّدّيّ في الآية قال: هم بنو سلمة و بنو حارثة همّوا بالرّجوع، حين رجع عبد اللّه بن أبيّ فعصمهم اللّه.
و روى الشّيخان عن زيد بن ثابت، و ابن إسحاق عن البراء بن عازب رضي اللّه عنهما قالا: لما خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى أحد خرج معه بأناس، فرجعوا، فكان أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فيهم فرقتين، فقالت فرقة: نقتلهم، و قالت فرقة: لا نقتلهم، فأنزل اللّه تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَ اللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا [النساء ٨٨] ردّهم إلى كفرهم بما كسبوا بأعمالهم،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «إنّها طيبة و إنّها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضّة».
و ذكر الزّهريّ أن الأنصار استأذنوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لمّا رجع ابن أبيّ في الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا حاجة لنا بهم».
قال الجمهور:
بقي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في سبعمائة و فرسه، و فرس لأبي بردة. و قال ابن عقبة: لم يكن مع المسلمين فرس. و مضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى نزل الشّعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره و عسكره إلى أحد، و استقبل المدينة، و جعل عينين- الجبل- عن يمينه، و صفّ المسلمون بأصل أحد، و حانت الصّلاة يوم السبت و المسلمون يرون المشركين، فأذّن بلال، و أقام، و صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بأصحابه الصّبح صفوفا.
ذكر خطبته (صلّى اللّه عليه و سلم) و تهيئته للقتال
قال محمد بن عمر الأسلميّ: ثم قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فخطب الناس فقال: «أيّها النّاس أوصيكم بما أوصاني اللّه تعالى به في كتابه، من العمل بطاعته، و التّناهي عن محارمه، ثم إنكم اليوم بمنزل أجر و ذخر لمن ذكر الذي عليه، ثم وطّن نفسه له على الصّبر و اليقين، و الجدّ و النشاط، فإن جهاد العدو شديد كريه، قليل من يصبر عليه إلا من عزم اللّه تعالى رشده، فإن اللّه تعالى مع من أطاعه، و إن الشيطان مع من عصاه فافتتحوا أعمالكم بالصبر على الجهاد، و التمسوا بذلك ما وعدكم اللّه تعالى [و عليكم] بالذي أمركم به، فإني حريص على رشدكم،
[١] أخرجه البخاري في التفسير (٤٥٥٨).