سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٠ - الباب الثاني عشر في غزوة بني قينقاع
رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لهذه الآية، و حمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، و كان يومئذ أبيض.
قال ابن سعد: و لم تكن الرّايات يومئذ. و استخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، فتحصّنوا في حصنهم فحاصرهم أشدّ الحصار، فأقاموا على ذلك خمس عشرة ليلة، حتى قذف اللّه في قلوبهم الرّعب، فنزلوا على حكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، على أنّ لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أموالهم، و أنّ لهم النّساء و الذّرّيّة، فأمر بهم فكتّفوا، و استعمل على كتافهم المنذر بن قدامة السّلمي، بفتح السين المهملة و اللام.
و مشى عبادة بن الصّامت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و كان لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فجعلهم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و تبرّأ إلى اللّه تعالى و رسوله من حلفهم، و قال: يا رسول اللّه: أتولّى اللّه و رسوله و المؤمنين و أبرأ من حلف هؤلاء الرّجال، فقام إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عبد الله بن أبيّ ابن سلول حين أمكنه اللّه منهم، فقال: يا محمد أحسن في مواليّ، و كانوا حلفاء الخزرج، فأبطأ عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: يا محمد أحسن في مواليّ فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من خلفه، و كان يقال لها: ذات الفضول، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم):
«ويحك أرسلني»، و غضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم قال: و يحك أرسلني، قال: و اللّه لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ: أربعمائة حاسر، و ثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر و الأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إنى و اللّه امرؤ أخشى الدّوائر، فقال (صلّى اللّه عليه و سلم):
«خلّوهم لعنهم اللّه و لعنه معهم».
و تركهم من القتل، و أمر بهم أن يجلوا من المدينة، فخرجوا بعد ثلاث، و ولّي إخراجهم منها عبادة بن الصامت، و قيل: محمد بن مسلمة، فلحقوا بأذرعات، فما كان أقلّ بقاءهم بها، و أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من سلاحهم ثلاث قسيّ: قوسا يدعى الكتوم كسرت بأحد، و قوسا يدعى الرّوحاء، و قوسا يدعى البيضاء، و أخذ درعين: درعا يقال له: الصّغديّة و أخرى فضة، و ثلاثة أرماح، و ثلاثة أسياف، سيف قلعيّ، و سيف يقال له:
بتّار، و آخر لم يسمّ. و وجد في منازلهم سلاحا كثيرا و آلة للصّياغة، فأخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) صفيّه و الخمس، و فضّ أربعة أخماسه على أصحابه فكان أول خمس بعد بدر، و كان الذي قبض أموالهم محمد بن مسلمة، فأنزل اللّه تعالى في شأن عبد الله بن أبيّ و في شأن عبادة بن الصامت. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [المائدة ٥١، ٥٢] أي عبد الله بن أبيّ و قوله: إنّي أخشى الدّوائر يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ: نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ إلى قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ [المائدة ٥٥] و ذلك لتولّي عبادة بن الصامت