سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢١٤ - ذكر مقتل عمرو بن الجموح و عبد اللّه بن حرام رضي اللّه عنهما
و قالوا: إن اللّه قد عذرك. فأتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: إن بنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه و للخروج معك فيه، فو اللّه إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أمّا أنت فقد عذرك اللّه تعالى، فلا جهاد عليك»،
و قال لبنيه: ما عليكم ألّا تمنعوه لعل اللّه أن يرزقه الشّهادة، فخرج و هو يقول مستقبل القبلة: اللهم لا تردّني إلى أهلي خائبا، فقتل شهيدا!
و روى الإمام أحمد عن قتادة بن الحارث بن ربعي الأنصاريّ قال: أتى عمرو بن الجموح إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه، أ رأيت إن قاتلت في سبيل اللّه حتى أقتل، أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة- و كانت رجله عرجاء- فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «نعم»، فقتلوه يوم أحد و هو و ابن أخيه و مولى لهم، فمر عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: «كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنّة»، فأمر بهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فجعلوا في قبر واحد.
انتهى. [١].
و استشهد ابنه خلّاد بن عمرو، و عبد اللّه بن عمرو بن حرام والد جابر فحملتهم هند بنت عمرو بن حرام زوجة عمرو بن الجموح على بعير لها تريد بهم المدينة، فلقتها أمّ المؤمنين عائشة رضي اللّه عنهما- و قد خرجت في نسوة تستروح الخبر، و لم يضرب الحجاب يومئذ، فقالت لها: هل عندك خبر؟ ما وراءك؟ قالت: أمّا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فصالح و كلّ مصيبة بعده جلل. و اتّخذ اللّه من المؤمنين شهداء وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً، وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [الأحزاب ٢٥] قالت عائشة:
من هؤلاء؟ قالت: أخي و ابني خلّاد، و زوجي عمرو بن الجموح. قالت: و أين تذهبين بهم؟
قالت: إلى المدينة أقبرهم فيها، ثم قالت: حل حل، تزجر بعيرها، فبرك، فقالت لها عائشة: لما عليه؟ قالت: ما ذاك به لربّما حمل ما يحمل بعيران، و لكن أراه لغير ذلك، و زجرته فقام و برك، فوجّهته راجعة إلى أحد،
فأسرع فرجعت إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبرته بذلك، فقال: إنّ الجمل مأمور، هل قال عمرو شيئا؟ قالت: إن عمرا لمّا توجّه إلى أحد قال: اللهم لا تردّني إلى أهلي خائبا و ارزقني الشهادة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «فلذلك الجمل لا يمضي، إنّ منكم- معشر الأنصار- من لو أقسم على اللّه لأبّره. منهم عمرو بن الجموح، و لقد رأيته [يطأ] بعرجته في الجنّة، يا هند، ما زالت الملائكة مظلّة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة ينتظرون أين يدفن»، ثم مكث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى قبرهم، ثم قال: «يا هند، قد ترافقوا في الجنة» قالت: يا رسول اللّه، ادع اللّه عسى أن يجعلني معهم.
[١] أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٩٩.