سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨ - ذكر دعاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم بدر و نزول الملائكة لنصره
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال ٩] فأمدّه اللّه تعالى بالملائكة [١].
و روى سعيد بن منصور عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة قال: لمّا كان يوم بدر نظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى المشركين و تكاثرهم و إلى المسلمين فاستقلّهم، فركع ركعتين، و قام أبو بكر عن يمينه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في صلاته: «اللهم لا تودّع مني، اللهم لا تخذلني، اللهم أنشدك ما وعدتني» [٢].
و روى البخاريّ و النسائيّ و ابن المنذر عن ابن عباس: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال و هو في قبة يوم بدر: «اللهم إني أنشدك عهدك و وعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد بعد اليوم»،
فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول اللّه، لقد ألححت على ربّك [٣]. فخرج و هو يثب في الدّرع و هو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَ السَّاعَةُ أَدْهى وَ أَمَرُّ [القمر ٤٥، ٤٦] و أنزل اللّه تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال ٩] أي متتابعين يتبع بعضهم بعضا، و أنزل اللّه عزّ و جلّ: أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ [آل عمران ١٢٤] إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ، فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ، وَ اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الأنفال ١٢]، قال ابن الأنباريّ: و كانت الملائكة لا تعلم كيف تقتل الآدميّين فعلّمهم اللّه تعالى بقوله: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ أي الرّؤوس وَ اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ أي مفصل.
و روى أبو يعلى و الحاكم و البيهقيّ عن عليّ رضي اللّه قال: بينما أنا أمتح من قليب بدر جاءت ريح شديدة ما رأيت مثلها قطّ، ثم ذهبت، ثم جاءت ريح شديدة لم أر مثلها قطّ إلا التي كانت قبلها، ثم جاءت ريح شديدة، قال: فكانت الريح الأولى جبريل (صلّى اللّه عليه و سلم)، نزل في ألف من الملائكة، و كانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و كان أبو بكر عن يمينه، و كانت الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أنا في الميسرة، فلما هزم اللّه تعالى أعداءه حملني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على فرسه، فجمزت بي، فلما جمزت خررت على عنقها فدعوت ربّي فأمسكني، فلما استويت عليها طعنت بيدي هذه في القوم حتى خضبت هذا، و أشار إلى إبطه.
[١] أخرجه مسلم (١٣٨٤) و الطبري ٩/ ١٢٧ و أحمد في المسند ١/ ٣٠ و ذكره السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٧٠.
[٢] أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٨٧٢).
[٣] تقدم.