سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٥ - ذكر سحب كفار قريش إلى بدر و ما وقع في ذلك من الآيات
قال أبو طلحة: و كانوا بضعة- و في رواية أربعة- و عشرين.
قالت عائشة: إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليحرّكوه فتزايل، فأقرّوه و ألقوا عليه ما غيّبه من التراب و الحجارة. و قال أبو طلحة: و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا أظهره اللّه على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال.
و قال أنس: ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قتلى بدر ثلاثا، ثم أتاهم. قال أبو طلحة: فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) براحلته فشدّ عليها رحلها، ثم مشى و تبعه أصحابه، و قالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفا البئر، و في لفظ على شفير الرّكيّ.
و في بعض الروايات عن أنس: أن ذلك كان ليلا، فجعل يناديهم بأسمائهم و أسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، و يا فلان بن فلان، و يا فلان بن فلان،
و في رواية: «يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أ يسرّكم أنكم أطعتم اللّه و رسوله؟ هل وجدتم ما وعد اللّه و رسوله حقّا، فإني قد وجدت ما وعدني ربيّ حقّا، بئس عشيرة النّبيّ كنتم لنبيّكم، كذّبتموني و صدّقني الناس، و أخرجتموني و آواني الناس، و قاتلتموني و نصرني الناس، فجزاكم اللّه عني من عصابة شرّا، خوّنتموني أمينا، و كذّبتموني صادقا». فقال عمر: يا رسول اللّه، أ تناديهم بعد ثلاث، كيف تكلّم أجسادا لا أرواح فيها؟ و في لفظ: كيف يسمعون أو أني يجيبون و قد جيّفوا؟ فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، إنهم الآن يسمعون ما أقول لهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا علينا شيئا»
[١].
قال قتادة: أحياهم اللّه تعالى حتى أسمعهم قوله، توبيخا لهم، و تصغيرا و نقمة و حسرة و ندامة.
قال عروة: فبلغ عائشة قول ابن عمر، فقالت: ليس هكذا قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)،
إنما قال: «إنهم ليعلمون الآن الذي كنت أقول لهم حقّا، إنهم تبوّؤوا مقاعدهم من جهنم»
[٢] إن اللّه تعالى يقول: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [النمل ٨٠] وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر ٢٢، ٢٣]
و في رواية عند الإمام أحمد من طريقين رجالهما ثقات، عن عائشة: فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «ما أنتم بأفهم لقولي منهم»، أو «لهم أفهم لقولي منكم»
[٣].
و روى البزّار و الطّبرانيّ عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: لما جيء بأبي جهل يجرّ إلى القليب قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لو كان أبو طالب حيّا لعلم أنّ أسيافنا قد التبست
[١] الجزء الأخير أخرجه البخاري ٢/ ١٢٢ و مسلم ٤/ ٢٢٠٣ (٧٦- ٢٨٧٣).
[٢] أخرجه البخاري ٣/ ٢٧٤ (١٣٧١) و مسلم في كتاب الجنائز (٢٦).
[٣] أخرجه أحمد في المسند ٦/ ١٧٠ و ذكره الهيثمي في المجمع ٦/ ٩٠.