سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٧٦ - تنبيهان
الباب العاشر في غزوة غطفان إلى نجد
و هي ذو أمرّ، و سببها أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بلغه أن جمعا من بني ثعلبة بن سعيد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان و بني محارب بن خصفة بن قيس بذي أمرّ قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و جمعهم رجل منهم يقال له: دعثور بن الحارث بن محارب، فندب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المسلمين، و خرج في أربعمائة و خمسين، معهم عدة أفراس، و استخلف على المدينة عثمان بن عفّان، فأصابوا بالمدينة رجلا منهم بذي القصّة يقال له: جبّار من بني ثعلبة، فقال له المسلمون: أين تريد؟ فقال: أريد يثرب لأرتاد لنفسي و أنظر، فأدخل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبره من خبرهم، قال: قال لن يلاقوك و لو سمعوا بسيرك هربوا في رؤوس الجبال و أنا سائر معك، فدعاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى الإسلام و أسلم، و ضمّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى بلال، فأخذ به جبّار طريقا، و هبط به عليهم، و سمع القوم بميسر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فهربوا في رءوس الجبال، فبلغ ماء يقال له: ذو أمرّ، فعسكر به، و أصاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه مطر كثير، فابتلّت ثياب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و ثياب أصحابه، فنزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) تحت شجرة و نشر ثيابه لتجفّ، و اضطجع، و ذلك بمرأى من المشركين، و اشتغل المسلمون في شؤونهم،
فبعث المشركون رجلا شجاعا منهم يقال له: دعثور بن الحارث، و كان سيّدها و أشجعها، و معه سيف متقلّد به، فبادر دعثور و أقبل مشتملا على السيف، حتى قام على رأس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالسّيف مشهورا، فقال: يا محمد، من يمنعك منّي اليوم؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «اللّه». و دفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و قال له: «من يمنعك مني؟» فقال: لا أحد، و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه، و اللّه لا أكثر عليك جمعا أبدا، فأعطاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سيفه،
ثم أتى قومه فقالوا: مالك؟ ويلك! فقال: نظرت إلى رجل طويل، فدفع في صدري، فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملك، و شهدت بأنّ محمدا رسول اللّه، و اللّه لا أكثر عليه جمعا. و جعل يدعو قومه إلى الإسلام. و أنزل اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة ١١]. و عاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة، و لم يلق كيدا، و كانت غيبته خمس عشرة ليلة، و قال أبو عمر: قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بنجد صفر كلّه.
تنبيهان
الأول: قال البيهقيّ: سيأتي في غزوة ذات الرّقاع قصة تشبه قصة دعثور، فلعلّهما