سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٤ - ذكر رحيل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة و قسمة الغنائم و قتل جماعة من الأسرى
قال أبو عمر: هذا لفظ عبد الله بن إدريس، و في رواية الزبير بن بكّار: فرّق لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى دمعت عيناه،
و قال لأبي بكر: «لو سمعت شعرها لم أقتل أباها».
قال الزبير بن بكّار: سمعت بعض أهل العلم يغمز هذه الأبيات و يقول إنها مصنوعة، و ذكر الجاحظ في آخر كتاب البيان أن اسمها ليلى، و أنها جذبت رداء النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو يطوف، و أنشدته الأبيات المذكورة.
و لمّا بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عرق الظّبية أمر بقتل عقبة بن أبي معيط، فقال: يا محمد من للصّبية. قال: «النار».
فقال: أ أقتل من بين قريش صبرا؟! فقال عمر: حنّ قدح ليس منها، فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاريّ في قول ابن إسحاق، و قال ابن هشام: قتله عليّ بن أبي طالب. فاللّه أعلم. و الذي أسره عبد الله بن سلمة- بكسر اللام- و صدق اللّه تعالى و رسوله في قوله لعقبة: إن وجدتك خارج مكة ضربت عنقك صبرا.
و روى الطبرانيّ عن ابن عباس قال: قتل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم بدر ثلاثة صبرا: قتل النّضر بن الحارث، و طعيمة بن عديّ، و عقبة بن أبي معيط.
ثم ارتحل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى إذا كان بالرّوحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح اللّه تعالى عليه و من معه من المسلمين، فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش: ما الذي تهنّئوننا به؟
فو اللّه إن لقينا به إلا عجائز صلعا كالبدن المعقّلة فنحرناها، فتبسّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)،
ثم قال: «أي ابن أخي؟ أولئك الملأ، لو رأيتهم لهبتهم، و لو أمروك لأطعتهم، و لو رأيت فعالك مع فعالهم لاحتقرته، و بئس القوم كانوا لنبيّهم».
قال ابن هشام: الملأ: الأشراف و الرؤساء.
قال محمد بن عمر الأسلميّ: ثم مضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى دخل المدينة قبل الأسارى بيوم مؤيّدا منصورا قد خافه كلّ عدوّ له بالمدينة و حولها، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، و حينئذ دخل عبد الله بن أبيّ بن سلول في الإسلام ظاهرا، و قالت اليهود: تيقّنّا أنه النبيّ الذي نجد نعته في التّوراة.
و دخل (صلّى اللّه عليه و سلم) من ثنيّة الوداع. قال في الإمتاع: دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة رجوعه من بدر يوم الأربعاء الثاني و العشرين من رمضان، و تلقّاه الولائد بالدّفوف و هن يقلن:
طلع البدر علينا* * * من ثنيّات الوداع
وجب الشّكر علينا* * * ما دعا للّه داع
و يرحم اللّه الإمام العلامة ابن جابر حيث قال:
بدا يوم بدر و هو كالبدر حوله* * * كواكب في أفق المواكب تنجلي