سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٣ - ذكر نقض بني قريظة العهد الذي بينهم و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
ذكر ما قاله المؤمنون لما رأوا الأحزاب
روى ابن جرير و ابن مردويه و البيهقيّ في الدلائل عن ابن عباس، و الطيالسيّ و عبد الرزاق و ابن جرير و البيهقيّ عن قتادة: أن اللّه تعالى قال لهم في سورة البقرة: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة ٢١٤] فلمّا مسّهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق قالُوا: هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ ما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَ تَسْلِيماً [الأحزاب ٢٢] للقضاء، رضي اللّه عنهم.
ذكر نقض بني قريظة العهد الذي بينهم و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
لمّا نزل المشركون فيما ذكر، خرج عدوّ اللّه حييّ بن أخطب النّضريّ حتى أتى كعب ابن أسد القرظيّ صاحب عقد بني قريظة و عهدهم، و كان قد وادع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على قومه، و عاهده على ذلك، فلمّا سمع كعب بحييّ أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حييّ: ويحك يا كعب! افتح، قال: ويحك يا حييّ! إنك امرؤ مشؤوم، و إنّي قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني و بينه، و لم أر منه إلا صدقا و وفاء. قال: و يحك! افتح لي أكلّمك، قال: و اللّه ما أنا بفاعل، قال: و اللّه، إن أغلقت دوني إلا خوفا على جشيشتك أن آكل معك منها. فأحفظ الرّجل، ففتح له، فقال: و يحك يا كعب! جئتك بعزّ الدهر، و بحر طام، جئتك بقريش على قادتها و سادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، و بغطفان على قادتها و سادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاقدوني و عاهدوني على ألّا يبرحوا حتى نستأصل محمدا و من معه. قال له كعب: جئتني و اللّه بذلّ الدّهر و بجهام قد أهرق ماؤه، فهو يرعد و يبرق، و ليس فيه شيء، ويحك يا حييّ! خلّني و ما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا و وفاء. فلم يزل حييّ بكعب يفتله في الذّروة و الغارب حتى سمح له على أن أعطاه عهدا و ميثاقا: لئن رجعت قريش و غطفان و لم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده و برئ ممّا كان بينه و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و وعظهم عمرو بن سعدى و خوّفهم سوء فعالهم، و ذكّرهم ميثاق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و عهده، و قال لهم: إذا لم تنصروه فاتركوه و عدوّه، فأبوا.
و خرج إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من بني قريظة بنو سعنة: أسد و أسيد و ثعلبة فكانوا معه، و أسلموا.