سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٧٤ - الباب التاسع في غزوة السويق
الباب التاسع في غزوة السويق
و سببها أن فلّ المشركين لمّا رجعوا إلى مكة موتورين محزونين حرّم أبو سفيان على نفسه الدّهن، و نذر ألّا يمسّ رأسه ماء من جنابة، حتى يثأر من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه بمن أصيب من المشركين يوم بدر، فخرج في مائتي راكب من قريش ليبرّ يمينه، فسلك النّجديّة حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له: يتيب بالمدينة، على بريد أو نحوه، ثم خرج من الليل حتى أتى بني النّضير تحت الليل، فأتى حييّ بن أخطب فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له و خافه، فانصرف عنه إلى سلّام بن مشكم و كان سيّد بني النّضير في زمانه ذلك، و صاحب كنزهم، فاستأذن عليه، فأذن له، فقرأه و سقاه، و بطن له من خبر الناس، و خبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه فبعث رجلا من قريش فأتوا ناحية منها يقال لها:
العريض، فحرّقوا في أصوار من نخل بها، و وجدوا رجلا من الأنصار و حليفا له في حرث لهما فقتلوهما. قال في الإمتاع: و هذا الأنصاريّ هو معبد بن عمرو. و رأى أبو سفيان أن يمينه قد حلّت و قيل: إن أبا سفيان فعل ذلك لمّا رجع في ليلته من عند سلّام بن مشكم، و انصرفوا راجعين، و نذر بهم الناس، فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في طلبهم يوم الأحد الخامس من ذي الحجة على رأس اثنين و عشرين شهرا. في مائتين من المهاجرين و الأنصار. و في الإشارة ثمانين، و جمع بأن الرّكبان ثمانون و عامة الجيش مائتان، و استعمل على المدينة بشير- و هو بفتح الموحدة- ابن عبد المنذر حتى بلغ قرقرة الكدر و جعل أبو سفيان و أصحابه يتخفّفون للهرب فيلقون جرب السّويق و هي عامة أزوادهم، فيأخذها المسلمون، فسمّيت غزوة السّويق و لم يلحقوهم، و انصرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) راجعا إلى المدينة، و كان غاب خمسة أيام،
و قال المسلمون لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حين رجع بهم: يا رسول اللّه أ تطمع أن تكون لنا غزوة؟ قال: نعم.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
السّويق- بالسين و الصاد لغة-: قمح أو شعير يقلى ثم يطحن فيتزوّد و يستفّ تارة بما يثرى به أو بسمن أو بعسل و سمن.
الفلّ- بفاء مفتوحة فلام مشددة-: القوم المنهزمون.
موتورين- بالمثناة الفوقية بين الواوين- بنقص عددهم.
يثأر: يطلب ثأره، أي يطلب بدم من قتل من المشركين يوم بدر.
يمينه بالنصب مفعوله.