سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٩ - ذكر اختلاف الصحابة رضي اللّه عنهم في الفيء
و روى ابن أبي شيبة، و الإمام أحمد، و عبد بن حميد، و ابن مردويه، عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه قال: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير و قتلت سعيد بن العاص و أخذت سيفه و كان يسمى ذا الكنيفة، فأتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) به فقلت: يا رسول اللّه قد شفاني اللّه تعالى اليوم من المشركين فنفّلني هذا السيف، فأنا من قد علمت، قال: «إن هذا السيف لا لك و لا لي، ضعه»، فوضعته، ثم رجعت فقلت: عسى أن يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلي بلائي فرجعت به فقال: «اذهب فاطرحه في القبض»، فرجعت و بي ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى من قتل أخي و أخذ سلبي، حتى إذا أردت أن ألقيه لامتني نفسي فرجعت إليه، فقلت: أعطنيه، فشدّني صوته فما جاوزت إلا يسيرا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «اذهب فخذ سيفك» [١].
و روى النحاس في تاريخه عن سعيد بن جبير أن سعدا و رجلا من الأنصار خرجا يتنفّلان فوجدا سيفا ملقى فخرا عليه جميعا، فقال سعد: هو لي، و قال الأنصاري: هو لي لا أسلمه، حتى آتي رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فأتياه فقصّا عليه القصة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «ليس لك يا سعد و لا للأنصاريّ و لكنه لي»،
فنزلت: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ الآية، ثم نسخت هذه الآية فقال تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ [٢] [الأنفال ٤٥].
و روى ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و البيهقي في السّنن عن ابن عباس قال:
الأنفال: المغانم كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) خالصة ليس لأحد منها شيء، ما أصاب من سرايا المسلمين من شيء أتوه به، فمن حبس منه إبرة و سلكا فهو غلول، فسألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يعطيهم منها شيئا، فأنزل اللّه تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قال: الأنفال لي، جعلتها لرسلي، و ليس لكم منه شيء، فاتقوا اللّه، و أصلحوا ذات بينكم، إلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ثم أنزل اللّه تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ الآية، ثم قسم ذلك الخمس لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل و المهاجرين و في سبيل اللّه، و جعل أربعة أخماس الناس فيه سواء: للفرس سهمان، و لصاحبه سهم، و للراجل سهم. و استعمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على الغنائم عبد الله بن كعب رضي اللّه عنه [٣].
[١] أخرجه أبو داود بنحوه (٢٧٤٠) و أحمد في المسند ١/ ١٧٨ و الحاكم في المستدرك ٢/ ١٣٢ و ذكره السيوطي في الدر ٣/ ١٥٨.
[٢] ذكره السيوطي في الدر ٣/ ١٦٠ و عزاه للنحاس في ناسخه.
[٣] ذكره السيوطي في الدر ٣/ ١٦٠ و عزاه لابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و البيهقي في سننه.