سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤ - الباب الأول في الإذن بالقتال و نسخ العفو عن المشركين و أهل الكتاب
قال البيهقىّ: و في مثل هذا المعنى قوله تعالى: وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ لَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل ٤١، ٤٢] ذكر بعض أهل التّفسير أنها نزلت في المعذّبين بمكة حين هاجروا إلى المدينة بعد ما ظلموا، فوعدهم اللّه تعالى في الدّنيا حسنة، يعني بها الرزق الواسع، فأعطاهم ذلك. فيروى، عن عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه، أنه كان إذا أعطى الرجل عطاءه من المهاجرين يقول: خذ بارك اللّه لك فيه، هذا ما وعدك اللّه تبارك و تعالى في الدّنيا، و ما ادّخر لك في الآخرة أفضل. انتهى.
و كانت اليهود و المشركون من أهل المدينة يؤذون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه فأمرهم اللّه تبارك و تعالى بالصّبر و العفو و الصّفح، فقال تبارك و تعالى: وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران ١٨٦] أي قطعه قطع إيجاب و إلزام، و هو من التّسمية بالمصدر، أي من معزومات الأمور. و قال عزّ و جلّ: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُ [البقرة ١٠٩] أي أن محمدا رسول اللّه يجدونه مكتوبا عندهم في التَّوراة و الإنجيل، فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، أي الإذن بقتالهم و ضرب الجزية عليهم.
و روى أبو داود و ابن المنذر و البيهقيّ عن كعب بن مالك رضي اللّه عنه، قال: «كان المشركون و اليهود من أهل المدينة حين قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يؤذون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه أشد الأذى، فأمرهم اللّه تعالى بالصبر على ذلك و العفو عنهم. و روى الشيخان و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبرانّي عن أسامة بن زيد رضي اللّه عنهما قال: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه يعفون عن المشركين و أهل الكتاب» [١]، يتأوّل في العفو ما أمره اللّه تعالى به حتى أذن اللّه تعالى فيهم، فقتل من قتل من صناديد قريش.
قال العلماء: فلمّا قويت الشوكة و اشتدّ الجناح أذن لهم حينئذ في القتال و لم يفرضه عليهم، فقال تبارك و تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ، وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَواتٌ وَ مَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً. وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج ٣٩، ٤٠].
[١] أخرجه البخاري ٨/ ٨٤ (٦٢٠٧).