سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٨ - ذكر انخزال عدو اللّه ابن أبيّ بثلث العسكر
قال الحافظ في الإصابة: و لم يأت على ذلك بدليل إلا قول أبي عمر: ليس في الصحابة أبي خيثمة سوى الجعفيّ و السّالميّ، و في هذا الحصر نظر- فقال أبو خيثمة: أنا يا رسول اللّه، فسلك به في حرّة بني حارثة و بين أموالهم، حتى سلك في ماء مربع- بكسر الميم و فتح الموحدة- ابن قيظّي- بفتح القاف فمثناة تحتية فظاء معجمة مشالة- و كان منافقا ضرير البصر، فلما سمع حسّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و من معه من المسلمين قام يحثو التراب في وجوههم، و يقول: إن كنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فإني لا أحلّ لك أن تدخل حائطي،
و ذكر أنّه أخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: و اللّه لو أعلم أني لا أصيب غيرك فضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر».
و قد بدر إليه سعد بن زيد الأشهليّ قبل نهي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فضربه بالقوس فشجّه، فغضب له ناس من بني حارثة و هم قومه، و كانوا على مثل رأيه، فهمّ بهم أسيد بن حضير حتى أومأ إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فكفّ. و ذبّ فرس أبي بردة بن نيار- بكسر النون و تخفيف المثناة التحتية و آخره راء- بذنبه، فأصاب كلّاب سيفه فاستلّه،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و كان يحب الفأل الحسن و لا يعتاف: «يا صاحب السيف، شم سيفك، إني أخال السّيوف ستسلّ اليوم فيكثر سلّها».
ذكر انخزال عدو اللّه ابن أبيّ بثلث العسكر
لما بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الشّوط انخزل عبد الله بن أبيّ بثلث النّاس كافّة كأنه هيق،
فقال: «أطاع الولدان و من لا رأى له و عصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا أيها الناس هاهنا؟»
فرجع بمن اتّبعه من أهل النّفاق و الرّيب، و تبعهم عبد الله بن حرام- بالراء- يقول: يا قوم أذكّركم اللّه ألّا تخذلوا قومكم و نبيّكم عند ما حضر عدوّهم، يا قوم تعالوا فقاتلوا في سبيل اللّه أو ادفعوا، فقالوا: لو نعلم قتالا ما أسلمناكم، لا نرى أن يكون قتال، و لئن أطعتنا لترجعنّ معنا.
فلما استعصوا عليه و أبوا إلّا الانصراف قال: أبعدكم اللّه، أعداء اللّه، فسيغني اللّه تعالى نبيّه عنكم. و أنزل اللّه تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران ١٧٩] قال مجاهد: «ميّزهم يوم أحد» و هم المرادون بقوله تعالى: وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا، وَ قِيلَ لَهُمْ: تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا، قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ، هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ [آل عمران ١٦٧].
و ذكر عروة و موسى بن عقبة: أن بني سلمة- بكسر اللام- و بني حارثة لمّا رجع عبد الله بن أبيّ سقط في أيديهما، و همّا أن يقتتلا فثبّتهما اللّه تعالى، و لهذا قال تعالى: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَ اللَّهُ وَلِيُّهُما [آل عمران ١٢٢].