سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٢٥ - ذكر خروج بني النضير من أرضهم
و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لمّا تحوّل من بني عمرو بن عوف إلى المدينة تحوّل المهاجرون، فتنافست فيهم الأنصار، فما إن ينزلوا عليهم حتى اقترعوا فيهم بالسّهمان، فما نزل أحد من المهاجرين على أحد من الأنصار إلا بقرعة بسهم، فكان المهاجرون في دور الأنصار و أموالهم.
فلما غنم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بني النّضير دعا ثابت بن قيس بن شمّاس، فقال: ادع لي قومك، قال ثابت: الخزرج يا رسول اللّه؟ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «الأنصار كلها!» فدعا له الأوس و الخزرج، فتكلّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فحمد اللّه تعالى و أثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكر الأنصار و ما صنعوا بالمهاجرين و إنزالهم إيّاهم في منازلهم و إيثارهم على أنفسهم، ثم قال: «إن أحببتم قسمت بينكم و بين المهاجرين مما أفاء اللّه تعالى عليّ من بني النّضير، و كان المهاجرون على ما هم عليه من السّكنى في مساكنكم و أموالكم، و إن أحببتم أعطيتهم و خرجوا من دوركم». فتكلّم سعد بن عبادة و سعد بن معاذ- رضي اللّه عنهما- و جزاهما خيرا، فقالا: «يا رسول اللّه بل تقسمه بين المهاجرين، و يكونون في دورنا كما كانوا»، و نادت الأنصار- رضي اللّه عنهم و جزاهم خيرا-: «رضينا و سلّمنا يا رسول اللّه».
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «اللهم ارحم الأنصار، و أبناء الأنصار».
فقسم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ما أفاء اللّه تعالى عليه، و أعطى المهاجرين، و لم يعط أحدا من الأنصار من ذلك الفيء شيئا إلا رجلين كانا محتاجين: سهل بن حنيف و أبا دجانة، و أعطى سعد بن معاذ رضي اللّه عنه سيف بن أبي الحقيق، و كان سيفا له ذكر عندهم.
و ذكر البلاذريّ في كتاب فتوح البلدان أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال للأنصار: «ليس لإخوانكم من المهاجرين أموال، فإن شئتم قسمتم هذه و أموالكم بينكم و بينهم جميعا، و إن شئتم أمسكتم أموالكم و قسمت هذه فيهم خاصة».
قالوا: بل اقسم هذه فيهم و اقسم لهم من أموالنا ما شئت فنزلت: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر ٩].
قال أبو بكر رضي اللّه عنه: جزاكم اللّه يا معشر الأنصار خيرا، فو اللّه ما مثلنا و مثلكم إلّا كما قال الغنويّ- و هو بالغين المعجمة و النّون-:
جزى اللّه عنّا جعفرا حين أزلقت* * * بنا نعلنا في الواطئين فزلّت
أبوا أن يملّونا و لو أمّنا* * * تلاقي الّذي يلقون منّا لملّت
قلت: و روى الآجريّ في كتاب الشّريعة عن قيس بن أبي حازم: قال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه، فذكر نحو ما تقدم.