سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠٩ - ذكر انتهائه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى الشعب و ما داوى به جرحه
من الليل إذا نار تأجّج لي فهبتها فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح: العطش! و إذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و قال حسان بن ثابت رضي اللّه عنه في ذلك:
لقد ورث الضّلالة عن أبيه* * * أبيّ يوم بارزه الرّسول
أتيت إليه تحمل رمّ عظم* * * و توعده و أنت به جهول
و قد قتلت بنو النّجّار منكم* * * أميّة إذ يغوّث: يا عقيل
و تبّ ابنا ربيعة إذ أطاعا* * * أبا جهل، لأمّهما الهبول
و أفلت حارث لمّا شغلنا* * * بأسر القوم، أسرته قليل
و قال حسان أيضا في ذلك:
ألا من مبلغ عنّي أبيّا* * * لقد ألقيت في حقّ السّعير
تمنّي بالضّلالة من بعيد* * * و تقسم أن قدرت مع النّذور
تمنّيك الأماني من بعيد* * * و قول الكفر يرجع في غرور
فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ* * * كريم البيت ليس بذي فجور
له فضل على الأحياء طرّا* * * إذا نابت ملمّات الأمور
ذكر مقتل عثمان بن عبد اللّه بن المغيرة المخزومي
قال محمد بن عمر: أقبل عثمان بن عبد الله [بن المغيرة المخزومي] على فرس أبلق و عليه، لأمة كاملة، يريد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو متوجّه إلى الشّعب و هو يصيح: لا نجوت إن نجوت. فوقف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فعثر بعثمان فرسه في بعض تلك الحفر، فوقع و خرج الفرس عائرا، فأخذه المسلمون، و مشى الحارث بن الصّمّة إليه فاصطدما ساعة بسيفيهما، ثم ضربه الحارث على رجله [و كانت الدّرع مشمّرة] فبرك و ذفّف عليه، و أخذ الحارث يومئذ درعه و مغفره، و لم يسمع بأحد سلب يومئذ غيره،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): الحمد للّه الذي أحانه.
و كان عبد الله بن جحش رضي اللّه عنه أسره ببطن نخلة، فافتدى من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و عاد إلى مكة حتى قدم، فقتله اللّه تعالى بأحد.
و أقبل عبيد بن حاجز العامريّ يعدو كأنه سبع فضرب الحارث بن الصّمّة فجرحه على عاتقه، فاحتمله أصحابه، و وثب أبو دجانة إلى عبيد فناوشه ساعة، ثم ذبحه بالسّيف ذبحا و لحق برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
ذكر انتهائه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى الشعب و ما داوى به جرحه
و لما انتهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى فم الشّعب خرج عليّ بن أبي طالب حتّى ملأ درقته