سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٩١ - ذكر ما أنزل اللّه تبارك و تعالى في شأن هذه الغزوة من سورة الأحزاب
إليك أبدا حتى أستأصلكم. فرأيتك قد كرهت لقاءنا، و اعتصمت بالخندق، و لك منّي يوم كيوم أحد، تبقر فيه النّساء.
و بعث بالكتاب مع أبي أسامة الجشميّ، فقرأه على النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) أبيّ بن كعب، و كتب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم):
«أما بعد، فقد أتاني كتابك، و قديما غرّك باللّه الغرور، و أمّا ما ذكرت من أنك سرت إلينا [في جمعكم]، و أنّك لا تريد أن تعود حتى تستأصلنا، فذلك أمر يحول اللّه تعالى بينك و بينه، و يجعل لنا العاقبة، و ليأتينّ عليك يوم أكسر فيه اللّات و العزّى و إساف و نائلة و هبل، حتى أذكّرك ذلك يا سفيه بني غالب!»
ذكر ما أنزل اللّه تبارك و تعالى في شأن هذه الغزوة من سورة الأحزاب
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ من الكفار فتحزّبوا أيّام حفر الخندق فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها ملائكة وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بالتاء من حفر الخندق و بالياء من تخريب المشركين بَصِيراً إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ من أعلى الوادي و من أسفله، من المشرق و المغرب وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ مالت عن كل شيء إلا عدوّها من كل جانب وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ جمع حنجرة، و هي منتهى الحلقوم من شدّة الخوف وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا المختلفة بالنّصر و اليأس هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً من شدّة الفزع وَ اذكر إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ضعف اعتقاد ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ بالنصر إِلَّا غُرُوراً باطلا. وَ إِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي المنافقون يا أَهْلَ يَثْرِبَ هي المدينة و لم تنصرف للعلمية و وزن الفعل لا مُقامَ لَكُمْ بضم الميم و فتحها أي لا إقامة و لا مكانة فَارْجِعُوا إلى منازلكم من المدينة، و كانوا خرجوا مع النبي إلى سلع: جبل خارج المدينة، للقتال وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَ في الرجوع يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ غير حصينة نخشى عليها. قال تعالى: وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ ما يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً من القتال وَ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ أي المدينة مِنْ أَقْطارِها نواحيها ثُمَّ سُئِلُوا أي سألهم الداخلون الْفِتْنَةَ الشّرك لَآتَوْها بالمدّ و القصر أي أعطوها و فعلوها وَ ما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً وَ لَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَ كانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا عن الوفاء به قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إِذاً إن فررتم لا تُمَتَّعُونَ في الدنيا بعد فراركم إِلَّا قَلِيلًا بقية آجالكم قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ يجيركم مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً هلاكا و هزيمة أَوْ يصيبكم بسوء إن أَرادَ اللّه بِكُمْ رَحْمَةً خيرا