سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٢٦ - ذكر محاورة عمرو بن سعدى اليهودي في أمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)
ذكر محاورة عمرو بن سعدى اليهودي في أمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)
قال محمد بن عمر: حدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه قال:
لمّا خرجت بنو النضير من المدينة أقبل عمرو بن سعدى و طاف بمنازلهم فرأى خرابا، ففكّر ثم رجع إلى بني قريظة فوجدهم في الكنيسة لصلاتهم، فنفخ في بوقهم فاجتمعوا. فقال الزّبير- و هو بفتح الزاي و كسر الموحدة- ابن باطا القرظيّ: يا أبا سعيد، أين كنت منذ اليوم؟
لم أرك. و كان لا يفارق الكنيسة، و كان يتألّه في اليهودية. قال: «رأيت اليوم عبرا عبّرنا بها، رأيت دار إخواننا خالية بعد ذلك العزّ و الجلد و الشّرف الفاضل و العقل البارع قد تركوا أموالهم، و ملكها غيرهم، و خرجوا خروج ذلّ، و لا و التّوراة ما سلط هذا على قوم قطّ، و اللّه بهم حاجة، و قد أوقع قبل ذلك بابن الأشرف بياتا في بيته آمنا، و أوقع بابن سنينة سيّد يهود، و أنجدهم و أجلدهم، و أوقع ببني قينقاع، فأجلاهم و هم أهل جدّ يهود، و كانوا أهل عدّة و سلاح و نجدة، فحصرهم فلم يخرج إنسان رأسه حتى سباهم، فكلّم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يثرب، يا قوم، لقد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني و تعالوا نتّبع محمدا، فو اللّه إنكم لتعلمون أنه نبيّ و قد بشّرنا به علماؤنا، آخرهم ابن الهيّبان أبو عمير، و ابن جوّاس و هما أعلم يهود، جاءانا من بيت المقدس يتوكّفان قدومه، ثم أمرانا باتباعه، و أن نقرئه منهما السلام، ثم ماتا على دينهما و دفنا بحرّتنا هذه»، فأسكت القوم فلا يتكلم منهم متكلم، فأعاد الكلام أو نحوه، و خوّفهم بالحرب و السّباء و الجلاء.
فقال الزّبير بن باطا: «و التوراة قد قرأت صفته في التّوراة، التي نزلت على موسى، ليس في المثاني التي أحدثنا»، فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتّباعه؟ قال:
أنت يا كعب، قال كعب: و لم؟ و التّوراة ما حلت بينك و بينه قطّ، قال الزّبير: بل أنت صاحب عهدنا و عقدنا، فإن اتبعته اتّبعناه، و إن أبيت أبينا.
فأقبل عمرو بن سعدى على كعب فقال: أما و التوراة التي أنزلت على موسى يوم طور سينا إنه للعزّ و الشّرف في الدنيا، و إنه لعلى منهاج موسى، و ينزل معه و أمته غدا في الجنة. قال كعب: نقيم على عهدنا و عقدنا فلا يخفر لنا محمد ذمّة، و ننظر ما يصنع حييّ، فقد أخرج إخراج ذلّ و صغار، فلا أراه يقرّ حتى يغزو محمدا، فإن ظفر بمحمد فهو ما أردنا، و أقمنا على ديننا و إن ظفر بحييّ فما في العيش خير، و تحوّلنا من جواره.
قال عمرو بن سعدى: و لم نؤخّر الأمر و هو مقبل؟ قال كعب: ما على هذا فوق، متى أردت هذا من محمد أجابني إليه. قال عمرو، و التوراة، إن عليه لغوثا، إذا سار إلينا محمد فتخبأنا في حصوننا هذه التي قد خدعتنا، فلا نفارق حصوننا حتى ننزل على حكمه، فيضرب