سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٦ - ذكر خروج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى أحد
خارج المدينة. و كان يوم الجمعة صائما و يوم السبت صائما.
و قال النعمان بن مالك: يا رسول اللّه لا تحرمنا الجنّة، فو الّذي نفسي بيده لأدخلنّها. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لمه؟» قال:
لأني أحبّ اللّه تعالى و رسوله- و في لفظ: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه- و لا أفرّ يوم الزّحف. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «صدقت». فاستشهد يومئذ،
و حثّ مالك بن سنان الخدري و إياس بن عتيك و جماعة على الخروج للقتال فلما أبوا إلّا ذلك صلّى- (صلّى اللّه عليه و سلم)- الجمعة بالناس فوعظهم، و أمرهم بالجدّ و الاجتهاد، و أخبرهم أنّ لهم النصر ما صبروا، ففرح الناس بالشّخوص إلى عدوّهم، و كره ذلك المخرج بشر كثير. ثم صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) العصر بالناس و قد حشدوا، و حضر أهل العوالي، و رفعوا النّساء في الآطام. و دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بيته و معه أبو بكر و عمر رضي اللّه تعالى عنهما، فعممّاه و ألبساه، و قد صفّ الناس له بين حجرته إلى منبره، ينتظرون خروج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فجاء سعيد بن معاذ و أسيد- بضم الهمزة و فتح السين المهملة- ابن حضير- بضم الحاء المهملة و فتح الضّاد المعجمة- فقالا للناس: استكرهتم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و قلتم له ما قلتم، و الوحي ينزل عليه من السّماء، فردّوا الأمر إليه، فما أمركم به فافعلوه، و ما رأيتم له فيه هوى و رأيا فأطيعوه. فبينما هم على ذلك إذ خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و قد لبس الدّرع فأظهرها، و حزم وسطه بمنطقة من حمائل سيف من أدم، و اعتمّ، و تقلّد السيف، و ندم الناس على إكراهه،
فقالوا: يا رسول اللّه استكرهناك، و لم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعد، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم، و لا ينبغي لنبيّ إذ لبس لأمته أن يضعها، حتى يحكم اللّه بينه و بين أعدائه- و في رواية: حتى يقاتل- انظروا ما أمركم به فاتّبعوه، امضوا على اسم اللّه تعالى، فلكم النصر ما صبرتم.
و وجد مالك بن عمرو النّجّاريّ- و يقال:
بل هو محرّر بمهملات، قال الأمير: وزن محمّد، و قال الدار قطنيّ: آخره زاي معجمة وزن مقبل بن عامر النجاريّ- قد مات، و وضعوه عند موضع الجنائز، فصلّى عليه، ثم دعا بثلاثة رماح فعقد ثلاثة ألوية، فدفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير، و لواء الخزرج إلى حباب بن المنذر، و يقال: إلى سعد بن عبادة، و دفع لواء المهاجرين إلى عليّ بن أبي طالب، و استخلف على المدينة ابن أمّ مكتوم على الصّلاة بمن بقي في المدينة.
ذكر خروج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى أحد
ثم ركب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فرسه السّكب، و تقلّد القوس، و أخذ قناة بيده، و المسلمون عليهم السلاح، منهم مائة دارع، و خرج السّعدان أمامه يعدوان: سعد بن معاذ، و سعد بن عبادة، كلّ منهما دارع، و الناس عن يمينه و شماله، حتى إذا انتهى إلى رأس الثّنيّة رأى كتيبة خشناء لها زجل
فقال: ما هذا؟ قالوا: هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبيّ من يهود، فقال: أسلموا؟
فقيل: لا، فقال: إنّا لا نستنصر بأهل الشّرك على أهل الشّرك.