سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٦ - ذكر ما كان المسلمون يرتجزون به من الشعر في عمل الخندق
ذكر ما كان المسلمون يرتجزون به من الشعر في عمل الخندق
قال ابن إسحاق و ابن عمر: و ارتجز المسلمون في الخندق برجل يقال له: جعيل- بضم الجيم- أو جعالة بن سراقة، و كان رجلا دميما صالحا، و كان يعمل في الخندق، فغيّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) اسمه يومئذ فسمّاه عمرا، فجعل المسلمون يرتجزون و يقول:
سمّاه من بعد جعيل عمرا* * * و كان للبائس يوما ظهرا
و جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لا يقول شيئا من ذلك، إلا إذا قالوا: عمرا، و إذا قالوا: ظهرا، قال: ظهرا.
و روى الشّيخان [١] و غيرهما عن سهل بن سعد و البخاريّ عن أنس رضي اللّه عنهما قالا: جاءنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و نحن نحفر في الخندق، و ننقل التّراب على أكتادنا و في لفظ:
أكتافنا، و في لفظ عن متوننا.
و في رواية: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى الخندق فإذا المهاجرون يحفرون في غداة باردة، و لم يكن لهم عبيد يعملون ذلك، فلما رأى ما هم فيه من النّصب و الجوع قال: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر»،
و في لفظ: فأصلح، و في لفظ: فأكرم المهاجرين و الأنصار، و في لفظ: فاغفر للأنصار و المهاجرة، فقالوا مجيبين له:
نحن الّذين بايعوا محمّدا* * * على الجهاد ما بقينا أبدا
قال أنس: و يؤتونه بملء كفّي شعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة، توضع بين يدي القوم، و هم جياع و هي بشعة في الحلق و لها ريح منتن.
و روى الشيخان و أبو يعلى و ابن أبي أسامة عن البراء بن عازب رضي اللّه عنه قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ينقل التراب يوم الخندق حتى وارى التراب بياض بطنه، و في لفظ: حتى أغمر بطنه، أو قال اغبرّ بطنه، و في لفظ: حتى وارى الغبار جلده، و كان كثيف الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات لابن رواحة:
و اللّه لولا ما اهتدينا* * * و لا تصدّقنا و لا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا* * * و ثبّت الأقدام إن لاقينا
و المشركون قد بغوا علينا* * * إذا أرادوا فتنة أبينا
و رفع بها صوته: أبينا أبينا، و في رواية يمدّ صوته بآخرها، و لفظ أبي يعلى: «اللهم لولا أنت»، و قد بدّل بتصدّقنا «صمنا».
و روى البيهقيّ عن سلمان رضي اللّه عنه، و ابن أبي أسامة عن أبي عثمان النّهدي (رحمه اللّه): أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ضرب في الخندق و قال:
[١] أخرجه البخاري ١/ ١١٧ و مسلم في كتاب الطهارة (١٢٦- ١٢٧).