سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤٨ - ذكر ما ظهر من ابن أبي في هذه الغزوة من النفاق
قال محمد بن عمر (رحمه اللّه): فكان أبو سعيد يقول: فقدم علينا و فدهم فافتدوا الذّرّيّة و النّساء، و رجعوا بهم إلى بلادهم، و خيّر من خيّر منهنّ أن تقيم عند من صارت في سهمه فأبين إلا الرجوع. و افتديت المرأة و الذرية بست فرائض،
و خرجت بجارية أبيعها في السوق، فقال لي يهودي: يا أبا سعيد، لعلك تريد بيعها و في بطنها منك سخلة، فقلت: كلا إني كنت أعزل عنها، قال: تلك الموءودة الصّغرى، فجئت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبرته ذلك، فقال: كذبت يهود، كذبت يهود.
ذكر ما ظهر من ابن أبي في هذه الغزوة من النفاق
بينما المسلمون على ماء المريسيع و قد انقطع الحرب، و هو ماء ظنون إنما يخرج في الدّلو نصفه، أتى سنان بن وبر الجهنيّ و على الماء جمع من المهاجرين و الأنصار، فأدلى دلوه و أدلى جهجاه بن مسعود الغفاريّ أجير عمر بن الخطاب، فالتبست دلو سنان و دلو جهجاه، و تنازعا فضرب جهجاه سنانا فسال الدم، فنادى سنان: يا للأنصار، و نادى جهجاه: يا للمهاجرين، و في لفظ: يا لقريش،
فأقبل جمع من الحيّين، و شهروا السلاح حتى كادت أن تكون فتنة عظيمة، فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟! فأخبر بالحال فقال:
«دعوها فإنها منتنة، و لينصر الرجل أخاه ظالما كان أو مظلوما، فإن كان ظالما فلينهه، و إن كان مظلوما فلينصره».
و إن جماعة من المهاجرين كلموا عبادة بن الصامت، و جماعة من الأنصار كلموا سنانا فترك حقّه، و كان عبد الله بن أبيّ جالسا مع عشرة مع المنافقين: [منهم] مالك، و سويد، و داعس، و أوس بن قيظيّ، و معتّب بن قشير، و زيد بن اللّصيت و عبد الله بن نبتل، و في القوم زيد بن أرقم رضي اللّه عنه و هو غلام لم يبلغ الحلم أو قد بلغ، فبلغ ابن أبيّ صياح جهجاه: يا آل قريش، فغضب ابن أبيّ غضبا شديدا، و قال: و اللّه ما رأيت كاليوم قطّ، و اللّه إن كنت لكارها لوجهي هذا، و لكنّ قومي غلبوني، أو قد فعلوها؟ لقد نافرونا و كاثرونا في بلدنا، و أنكروا منّتنا، و اللّه ما صرنا و جلابيب قريش هذه إلّا كما قال القائل: «سمّن كلبك يأكلك»، و اللّه لقد ظننت أنّي سأموت قبل أن أسمع هاتفا يهتف بما هتف به جهجاه، و أنا حاضر لا يكون لذلك منّي غير، و اللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ. ثم أقبل على من حضر من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم: أنزلتموهم بلادكم فنزلوا، و أسهمتموهم في أموالكم حتى استغنوا، أما و اللّه لو أمسكتم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير بلادكم، ثم لم يرضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا، فقتلتم دونه، فأيتمتم أولادكم و قللتم و كثروا.
فقام زيد بن أرقم بهذا الحديث كلّه إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فوجد عنده نفرا من المهاجرين و الأنصار، فأخبره الخبر، و كره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) خبره و تغيّر وجهه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): يا