سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢٨ - ذكر بعض ما قاله الصحابة من الشعر في غزوة بدر
و إن تقاربا لفظا و معنى فليس ببعيد من أن يكون الثاني أجود من الأول، لأنه أكثر انتفاء من الجبن و من خوف القتل، و إنما علّل فراره بعدم إفادة وقوفه فقط، و ذلك في الأول جزء علّته، و الجزء الآخر قوله: أقتل، و قوله: رموا مهري بأشقر مزبد، يعني الدّم، و يحتمل أن يكون ذلك مقيّدا بكون مشهده لا يضرّ عدوّه، و مع ذلك فالثاني أسلم من ذلك معنى و أصرح لفظا و معنى.
و قال حسّان أيضا:
قومي الّذين هم آووا نبيّهم* * * و صدّقوه و أهل الأرض كفّار
إلّا خصائص أقوام هم سلف* * * للصّالحين مع الأنصار أنصار
مستبشرين بقسم اللّه قولهم* * * لمّا أتاهم كريم الأصل مختار
أهلا و سهلا ففي أمن و في سعة* * * نعم النّبيّ و نعم القسم و الجار
فأنزلوه بدار لا يخاف بها* * * من كان جارهم دارا هي الدّار
و قاسموهم بها الأموال إذ قدموا* * * مهاجرين و قسم الجاحد النّار
سرنا و ساروا إلى بدر لحينهم* * * لو يعلمون يقين العلم ما ساروا
دلّاهم بغرور ثمّ أسلمهم* * * إنّ الخبيث لمن والاه غدّار
و قال: إنيّ لكم جار، فأوردهم* * * شرّ الموارد فيه الخزي و العار
ثمّ التقينا فولّوا عن سراتهم* * * من منجدين و منهم فرقة غاروا
و قالت عاتكة بنت عبد المطلب عمّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) فيما رواه الطبرانيّ عن مصعب بن عبد الله و غيره من قريش، و رواه الأمويّ عن سعيد بن قطن:
ألمّا تكن رؤياي حقّا و يأتكم* * * بتأويلها فلّ من القوم هارب
رأى فأتاكم باليقين الّذي رأى* * * بعينيه ما تفري السّيوف القواضب
فقلتم- و لم أكذب- كذبت، و إنما* * * يكذبني بالصّدق من هو كاذب
و ما فرّ إلّا رهبة الموت هاربا* * * حكيم و قد أعيت عليه المذاهب
أقرّ صياح القوم عزم قلوبهم* * * فهنّ هواء و الحلوم عوازب
أقامت سيوف الهند دون رؤوسكم* * * و خطّيّة فيها الشّبا و الثّعالب
كأنّ حريق النّار لمع ظباتها* * * إذا ما تعاطتها اللّيوث المشاغب
ألا بأبي يوم اللّقاء محمّدا* * * إذا عضّ من عون الحروب الغوارب
مروا بالسّيوف المرهفات نفوسكم* * * كفاحا كما تمري السّحاب الجنائب
فكم بردت أسيافهم من مليكة* * * و زعزع ورد بعد ذلك صالب