سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٧٩ - الباب الثاني عشر في غزوة بني قينقاع
الباب الثاني عشر في غزوة بني قينقاع
[و هم قوم عبد الله بن سلّام، و كانت يوم السبت للنصف من شوّال على رأس عشرين شهرا من مهاجره (صلّى اللّه عليه و سلم)، و كانوا حلفاء عبد الله بن أبيّ ابن سلول و عبادة بن الصامت، و غيرهما من قومهما، و كانوا أشجع يهود، و هم صاغة، و كانت الكفار بعد الهجرة مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) على ثلاثة أقسام: قسم وادعهم على ألّا يحاربوه و لا يوالوا عليه عدوّه، و هم طوائف اليهود الثلاثة:
[قريظة و النّضير و بني قينقاع] و قسم حاربوه و نصبوا له العداوة، و هم قريش، و قسم تاركوه و انتظروا ما يؤول إليه أمره كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحبّ ظهوره في الباطن كخزاعة، و بالعكس كبني بكر، و منهم من كان معه ظاهرا و مع عدوّه و هم المنافقون.
و لمّا قدم النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة مهاجرا وادعته يهود كلّها، و كتب بينه و بينهم كتابا، و ألحق كلّ قوم بحلفائهم و جعل بينه و بينهم أمانا، و شرط عليهم شروطا: منها: ألّا يظاهروا عليه عدوّا، فلما كان يوم بدر كان بنو قينقاع أول يهود نقضوا العهد، و أظهروا البغي و الحسد، و قطعوا ما كان بينهم و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من العهد،
فجمعهم بسوق بني قينقاع و قال: «يا معشر يهود أسلموا، فو اللّه إنكم لتعلمون أنّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، يا معشر يهود احذروا من اللّه مثل ما نزل بقريش من النّقمة فأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنّي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم و عهد اللّه إليكم»
قالوا: يا محمد إنك ترى أنّا مثل قومك، لا يغرّنّك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنّا و اللّه لئن حاربتنا لتعلمنّ أنّا نحن النّاس.
قال ابن عباس فيما رواه ابن إسحاق: ما أنزلت هؤلاء الآيات إلا فيهم: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَ تُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَ بِئْسَ الْمِهادُ قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [آل عمران ١٢، ١٣] أي أصحاب بدر من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) وَ أُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَ اللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ فبينما هم على ما هم عليه من إظهار العداوة و نبذ العهد قدمت امرأة من العرب بجلب لها فباعت بسوق بني قينقاع و جلست إلى صائغ بها لحلي، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فلم تفعل، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها من ورائها فحلّه بشوكة و هي لا تشعر، فلما قامت بدت عورتها فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله و كان يهوديّا.
و شدّت اليهود على المسلم فقتلوه، و نبذوا العهد إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)، و استصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، و غضب المسلمون فوقع الشرّ بينهم و بين بني قينقاع.
و أنزل اللّه سبحانه و تعالى: وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ [الأنفال ٥٨]
فقال (صلّى اللّه عليه و سلم): «إنما أخاف من بني قينقاع»،
فسار إليهم