سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٨ - ذكر إرسال قريش في فداء الأسارى
أصيب له ثلاثة من ولده: زمعة بن الأسود، و عقيل بن الأسود، و الحارث بن زمعة، و كان يحب أن يبكي على بنيه، فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل فقال لغلام له، و قد ذهب بصره:
انظر هل أحد انتحب؟ هل بكت قريش على قتلاها؟ لعليّ أبكي على أبي حكيمة- بضم الحاء المهملة و فتح الكاف- يعني زمعة فإنّ جوفي قد احترق، فلمّا رجع إليه الغلام قال: إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلّته. قال عبّاد: فذاك حين يقول الأسود:
تبكّي أن يضلّ لها بعير* * * و يمنعها من النّوم السّهود
فلا تبكي على بكر و لكن* * * على بدر تقاصرت الجدود
على بدر شراة بني هصيص* * * و مخزوم و رهط أبي الوليد
و بكّي إن بكيت على عقيل* * * و بكّي حارثا أسد الأسود
و بكّيهم و لا تسمي جميعا* * * و ما لأبي حكيمة من نديد
ألا قد ساد بعدهم رجال* * * و لولا يوم بدر لم يسودوا
قال الزبير بن بكّار: يريد أبا سفيان بن حرب، كان رأس قريش في سيرهم إلى أحد، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) دعا على الأسود هذا بأن يعمي اللّه تعالى بصره، و يثكل ولده، فاستجاب اللّه تعالى سبق العمى إلى البصر أولا، ثم أصيب يوم بدر بمن نفاه من ولده، فتمّت إجابة اللّه تعالى رسوله (صلّى اللّه عليه و سلم) فيه.
ذكر فرح النجاشي بوقعة بدر
روى البيهقي عن عبد الرحمن بن يزيد عن جابر، عن عبد الرحمن- رجل من أهل صنعاء- قال: أرسل النجاشي ذات يوم إلى جعفر بن أبي طالب و أصحابه فدخلوا عليه، و هو في بيت عليه خلقان، جالس على التراب. قال جعفر بن أبي طالب: أشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحالة، فلما أن رأى ما في وجوهنا. قال: إني أبشّركم بما يسرّكم، إنه قد جاءني من نحو أرضكم عين لي، فأخبرني أن الله تعالى قد نصر نبيه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أهلك عدوه فلان و فلان التقوا بواد يقال له: بدر، كثير الأراك، كأني أنظر إليه، كنت أرعى به لسيدي- رجل من بني ضمرة- إبله، فقال له جعفر: ما بالك جالس على التراب ليس تحتك بساط، و عليك هذه الأخلاق؟ قال: إنّا نجد فيما أنزل اللّه تعالى على عيسى (صلّى اللّه عليه و سلم) أن حقّا على عباد اللّه تعالى أن يحدثوا للّه عزّ و جلّ تواضعا، عند ما يحدث لهم نعمة، فلما أحدث اللّه تعالى نصر نبيّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أحدثت له هذا التواضع.
ذكر إرسال قريش في فداء الأسارى
روى ابن سعد عن الشّعبيّ قال: