سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤ - ذكر ابتداء الحرب و تهييج القتال يوم بدر
رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الصفوف تقدّم سواد بن غزيّة أمام الصف فدفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في بطنه و قال: «استو يا سواد»، قال: يا رسول اللّه أوجعتني و الذي بعثك بالحق، أقدني. فكشف (صلّى اللّه عليه و سلم) عن بطنه و قال: «استقد فاعتنقه و قبله» فقال: ما حملك على ما صنعت، فقال: حضر من أمر اللّه ما قد ترى، و خشيت أن أقتل فأردت أن أكون آخر عهدي بك، و أن أعتنقك.
و خطب (صلّى اللّه عليه و سلم) فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإني أحثّكم على ما حثّكم اللّه عز و جل عليه و أنهاكم عمّا نهاكم اللّه عز و جل عنه، فإن اللّه عز و جل عظيم شأنه، يأمر بالحقّ، و يحبّ الصّدق، و يعطي على الخير أهله على منازلهم عنده، به يذكرون، و به يتفاضلون، و إنكم قد أصبحتم بمنزل من منازل الحق، لا يقبل اللّه فيه من أحد إلا ما ابتغي به وجهه و إن الصّبر في مواطن البأس ممّا يفرّج اللّه عزّ و جلّ به الهمّ، و ينجّي به من الغمّ، و تدركون به النجاة في الآخرة، فيكم نبيّ اللّه يحذّركم و يأمركم، فاستحيوا اليوم أن يطّلع اللّه عزّ و جلّ على شيء من أمركم يمقتكم عليه، فإن اللّه عزّ و جلّ يقول: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [غافر ١٠] انظروا إلى الذي أمركم به من كتابه، و أراكم من آياته و أعزّكم بعد الذّلّة، فاستمسكوا به يرض به ربّكم عنكم، و أبلوا ربّكم في هذه المواطن أمرا، تستوجبوا الّذي وعدكم به من رحمته و مغفرته، فإنّ وعده حقّ، و قوله صدق، و عقابه شديد، و إنما أنا و أنتم باللّه الحيّ القيّوم، إليه ألجأنا ظهورنا و به اعتصمنا، و عليه توكّلنا، و إليه المصير، يغفر اللّه لنا و للمسلمين».
و تعبّت قريش للقتال، و الشّيطان لا يفارقهم.
قال ابن سعد: و كان معهم ثلاثة ألوية: لواء مع أبي عزيز بن عمير، و لواء مع النّضر بن الحارث، و لواء مع طلحة بن أبي طلحة، و كلهم من عبد الدار، و خرج الأسود بن عبد الأسد المخزوميّ، و كان رجلا شرسا سيّء الخلق فقال: أعاهد اللّه لأشربنّ من حوضكم أو لأهدمنّه أو لأموتنّ دونه، فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطنّ قدمه بنصف ساقه، و هو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض يريد بزعمه أن تبرّ يمينه- و في لفظ: في جوف الحوض- فاتّبعه حمزة حتى قتله دون الحوض، حتى وقع فيه فهدمه برجله الصحيحة، و شرب منه.
قال ابن سعد: و جاء عمير بن وهب فناوش المسلمين فثبت المسلمون على حقهم، و لم يزولوا، و شدّ عليهم عامر بن الحضرميّ، و نشبت الحرب، فكان أول من خرج من المسلمين مهجع- بكسر الميم و إسكان الهاء فجيم مفتوحة فعين مهملة- ابن عائش بن عريف مولى عمر بن الخطاب، فقتله عامر بن الحضرميّ.
و كان أول قتيل قتل من الأنصار حارثة بن سراقة، و يقال: قتله حبّان بن عرقة- بفتح