سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٨ - ذكر الآيات التي وقعت لما أصابتهم المجاعة في حفر الخندق
يدعو به، ثم نضح من ذلك الماء عليها، فيقول من حضرها: و الذي بعثه بالحق إنها عادت كالكثيب المهيل ما تردّ فأسا و لا مسحاة، فأخذ المعول من سلمان، و قال: «بسم اللّه»، و ضرب ضربة فكسر ثلثها، و برقت برقة فخرج نور من قبل اليمن فأضاء ما بين لابتي المدينة حتى كأنّ مصباحا في جوف ليل مظلم، فكبّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و قال: «أعطيت مفاتيح اليمن، إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني السّاعة، كأنّها أنياب الكلاب»، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر، و برق منها برقة فخرج نور من قبل الرّوم فأضاء ما بين لابتي المدينة فكبّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و قال: أعطيت مفاتيح الشام، و اللّه إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني الساعة». ثم ضرب الثالثة فقطع بقية الحجر و برق برقة من جهة فارس أضاءت ما بين لابتي المدينة، فكبّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و قال: «أعطيت مفاتيح فارس، و اللّه إني لأبصر قصور الحيرة و مدائن كسرى كأنّها أنياب الكلاب من مكاني هذا، و أخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة عليها، فأبشروا بالنّصر». فاستسرّ المسلمون، و قالوا: الحمد للّه موعد صادق، بأن وعدنا النصر بعد الحصر، و جعل يصف لسلمان، فقال سلمان: صدقت يا رسول اللّه، هذه صفته، أشهد أنك رسول اللّه.
ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «هذه فتوح يفتحها اللّه تعالى بعدي يا سلمان، لتفتحنّ الشّام، و يهرب هرقل إلى أقصى مملكته، و تظهرون على الشام فلا ينازعكم أحد، و ليفتحنّ هذا المشرق، و يقتل كسرى فلا يكون كسرى بعده»
[١].
قال سلمان: فكلّ هذا قد رأيت.
قال أبو هريرة- فيما رواه بن إسحاق- حين فتحت هذه الأمصار زمان عمر، و زمان عثمان و من بعده: «افتحوا ما بدا لكم، فو الذي نفس أبي هريرة بيده ما فتحتم من مدينة و لا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا و قد أعطى اللّه تعالى محمدا مفاتيحها قبل ذلك».
فقال المنافقون: يخبركم محمد أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة و مدائن كسرى و أنها تفتح لكم و أنتم تحفرون الخندق، و لا تستطيعون أن تبرزوا، فأنزل اللّه تبارك و تعالى:
وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب: ١٢].
ذكر الآيات التي وقعت لما أصابتهم المجاعة في حفر الخندق
روى الشيخان، و محمد بن عمر، و الحاكم، و البيهقيّ عن جابر بن عبد الله، و الطبرانيّ عن أبن عباس رضي اللّه عنهم:
[١] أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٠٣.