سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٩٦ - ذكر ثبات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
في كل وجه، و تركوا ما انتهبوا، و خلّوا من أسروا، و انتقضت صفوف المسلمين، و استدارت رحاهم، و كانت الرّيح أول النهار صبا فصارت دبورا، و كرّ الناس منهزمين يحطم بعضهم بعضا، فصاروا ثلاثا: ثلثا جريحا، و ثلثا منهزما، و ثلثا مقتولا، و صرخ الشيطان- لعنه اللّه-: أي عباد اللّه، إخوانكم. فرجعت أولاهم، فاجتدلت هي و أخراهم، و هم يظنون أنهم من العدوّ. و كان غرض إبليس بذلك أن يقتل المسلمون بعضهم بعضا، و كان أول النهار للمسلمين على الكفار، كما قال تعالى: وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَ تَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَ عَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران ١٥٢].
فما كانت دولة أسرع من دولة المشركين. و صرخ الشيطان عند جبل عينين و قد تصوّر في صورة جعال بن سراقة رضي اللّه عنه: «إن محمدا قد قتل» ثلاث صرخات، و لم يشكّ فيه أنه حق و كان جعال إلى جنب أبي بردة يقاتل أشدّ القتال، فقال جماعة من المسلمين لمّا سمعوا ذلك:
إن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قد قتل أ فلا تقاتلون على دينكم، و على ما كان عليه نبيّكم، حتى تلقوا اللّه تعالى شهداء؟! و قال جماعة: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبيّ لنا أمانا من أبي سفيان، يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم، قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، و اختلط المسلمون، فصاروا يقتلون على غير شعار، و يضرب بعضهم، بعضا، من العجلة و الدّهش و ما يدري.
و تفرّق المسلمون في كل وجه، و انهزمت طائفة منهم حتى دخلت المدينة، فلقيتهم أمّ أيمن فجعلت تحثو في وجوههم التّراب و تقول لبعضهم: «هاك المغزل فاغزل به، و هلمّ سيفك».
و لمّا انكشف المسلمون عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و لم يبق منهم إلا نفر يسير لم يبق للمسلمين لواء قائم و لا فئة، و إن كانت خيل المشركين لتجوسهم مقبلة مدبرة في الوادي، يلتقون و لا يفترقون، ما يرون أحدا من الناس يردّهم، حتى رجعوا إلى معسكرهم، و أصعد بعض المسلمين في الجبل، و استشهد منهم من أكرمه اللّه تعالى بالشّهادة، و لما بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ما صرخ به الشّيطان قال: هذا إزب العقبة.
ذكر ثبات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
روى البيهقيّ عن المقداد بن عمرو رضي اللّه عنه فذكر حديثا في يوم أحد و قال:
فأوجعوا و اللّه قتلا ذريعا، و نالوا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ما نالوا، ألا و الذي بعثه بالحقّ إن زال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) شبرا واحدا، و إنه لفي وجه العدوّ و يفيء إليه طائفة من أصحابه مرّة، و تفترق