سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١٨ - الباب الخامس عشر في غزوة بني النضير
و قال ابن إسحاق و ابن عمر و ابن سعد و ابن عائذ و جلّ أهل المغازي: إنّ عمرو بن أمّية الضّمريّ رضي اللّه عنه أقبل من بئر معونة حتى إذا كان بقناة لقي رجلين من بني عامر بن صعصعة، قد كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) وادعهما، فنسبهما فانتسبا، فقال معهما حتى إذا ناما وثب عليهما فقتلهما، ثم خرج حتى ورد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في قدر حلب شاة، فأخبره خبرهما،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «بئس ما صنعت- قد كان لهم منّا أمان [و عهد]» فقال: ما شعرت، كنت أراهما على شركهما، و كان قومهما قد نالوا منّا ما نالوا من الغدر بنا، و جاء بسلبهما،
فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بسلبهما فعزل، حتى يبعث به مع ديتهما. و كان بين بني النّضير و بين بني عامر عقد و حلف، فسار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم السبت فصلّى في مسجد قباء، و معه رهط من المهاجرين و الأنصار، ثم جاء بني النّضير و معه دون العشرة من أصحابه، فوجدهم في ناديهم، فجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيّين اللّذين قتلهما عمرو بن أميّة، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم ما أحببت، قد آن لك أن تزورنا و أن تأتينا، اجلس حتى تطعم و ترجع لحاجتك، و نقوم فنتشاور و نصلح أمرنا فيما جئتنا به، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مستند إلى بيت من بيوتهم، ثم خلا بعضهم ببعض فتناجوا، فقال حييّ بن أخطب: يا معشر يهود قد جاءكم محمد في نفر من أصحابه لا يبلغون عشرة- و معه أبو بكر، و عمر، و عثمان، و عليّ، و الزّبير، و طلحة، و سعد بن معاذ، و أسيد بن الحضير، و سعد بن عبادة- فاطّرحوا عليه حجارة من فوق هذا البيت الذي هو تحته فاقتلوه، و لن تجدوه أخلى منه السّاعة، فإنه إن قتل تفرق عنه أصحابه، فلحق من كان معه [من قريش] بحرمهم، و بقي من كان هاهنا من الأوس و الخزرج، فما كنتم تريدون أن تصنعوا يوما من الدهر فمن الآن، فقال عمرو بن جحّاش- بفتح الجيم و تشديد الحاء المهملة و آخره شين معجمة- النّضري: إذا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة، قال سلّام بن مشكم: يا قوم أطيعوني هذه المرة و خالفوني الدهر، و اللّه لئن فعلتم ليخبرنّ بأنّا قد غدرنا به، و إن هذا نقض للعهد الذي بيننا و بينه، فلا تفعلوا، و هيّأ عمرو بن جحّاش الصّخرة ليرسلها على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و يدحرجها، فلما أشرف بها جاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الخبر من السماء بما همّوا به، فنهض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سريعا، كأنه يريد حاجة، و توجّه نحو المدينة، و جلس أصحابه يتحدّثون و هم يظنون أنه قام يقضي حاجة.
و روى عبد بن حميد عن عكرمة، قال: فبينما اليهود على ذلك إذ جاء جاء من اليهود من المدينة فلما رأى أصحابه يأتمرون بأمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، قال لهم: ما تريدون؟ قالوا: نريد أن نقتل محمدا و نأخذ أصحابه، فقال لهم: و أين محمد؟ قالوا: هذا محمد قريب، فقال لهم صاحبهم: و اللّه لقد تركت محمدا داخل المدينة، فسقط في أيديهم. و استبطأ الصحابة الذين كانوا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، وراث عليهم خبره، فلما يئسوا من ذلك قال أبو بكر: ما