سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨٤ - تنبيهات
الحادي عشر: في الكلام على قوله تعالى: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال ١٧].
قال في زاد المعاد: اعتقد جماعة أن المراد بالآية سلب فغل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و إضافته إلى الرّب تبارك و تعالى حقيقة، و جعلوا ذلك أصلا للجبر و إبطال نسبة الأفعال و نسبتها إلى الرب تبارك و تعالى وحده، و هذا غلط منهم في فهم القرآن، فلو صحّ ذلك لوجب طرده فيقال:
ما صلّيت إذ صلّيت، و لا صمت إذ صمت، و لا فعلت كلّ ذلك إذ فعلت، و لكن اللّه فعل ذلك، فإن طردوا ذلك لزمهم في أفعال العباد و طاعاتهم و معاصيهم، إذ لا فرق، و إن خصّوه برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أفعاله جميعها أو رمية واحدة ناقضوا، فهؤلاء لم يوفّقهم اللّه تعالى لفهم ما أريد بالآية، و معلوم أن تلك الرّمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه (صلّى اللّه عليه و سلم) هذا الرّمي، و هو الحذف، و من الربّ سبحانه و تعالى نهايته و هو الإيصال، فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه و نفى عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته، و نظير هذه الآية نفسها قوله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [الأنفال ١٧] ثم قال: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى فأخبر أنه سبحانه و تعالى وحده هو الذي تفرّد بإيصال الحصا إلى أعينهم، و لم يكن برسوله (صلّى اللّه عليه و سلم)، و لكن وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه و تعالى أقام أسبابا تظهر للناس، فكان ما حصل من الهزيمة و القتل و النّصرة مضافا إليه و به، و هو خير الناصرين.
الثاني عشر: قال السّدّيّ الكبير، و عروة، و قتادة، و مجاهد، و محمد بن كعب القرظيّ، و محمد بن قيس، و ابن زيد، و غيرهم، إن هذه الآية نزلت في بدر وقد فعل ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في غزوة حنين.
الثالث عشر: في حديث أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) أخبر بمصارع القوم قبل الوقعة بيوم أو أكثر. و في حديث آخر أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) أخبر بذلك يوم الوقعة. قال في البداية: و لا مانع من الجمع بين ذلك بأن يخبر به قبل بيوم أو أكثر، و في حديث آخر أن يخبر به قبل ذلك بساعة يوم الوقعة.
الرابع عشر: اتّفق عمر و أبو طلحة، و ابن مسعود، و عبد الله بن عمر رضي اللّه عنهما:
أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما قال له المسلمون: يا رسول اللّه كيف تخاطب أمواتا؟ فقال: «و الذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم»،
و الثلاثة الأول شاهدوا القصة، و سمعوا هذا القول من النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)، و عبد الله يحتمل أن يكون سمعه من أبيه أو من النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)، و لفظ ابن مسعود
قال: «يسمعون كما تسمعون و لكن لا يجيبون»، رواه الطبرانيّ بإسناد صحيح،
و أنكرت ذلك عائشة رضي اللّه عنها لمّا بلغها ذلك عن ابن عمر، و
قالت: ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلا أنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حقا،
و استدلّت على ذلك بقوله تعالى: وَ ما أَنْتَ